حبيب الصايغ يتساءل عن موقف الدوحة تجاه استضافة دبي للإكسبو وأبوظبي للأيرينا

the evening of poetry at Emirates Writers Union in Abu Dhabiحبيب الصايغ- الخليج: لا يراد لهذا الحوار أو السجال أن يستمر إلى ما لا نهاية، بل الرغبة ملحة في أن يُغلق بهذا المقال الذي يُستند فيه إلى أبسط مبادئ العقل والمنطق إزاء العلاقة المتأزمة بين الدولتين الشقيقتين الإمارات وقطر، وإذا تم التركيز على رد الزميل الأستاذ أحمد علي مدير عام صحيفة “الوطن” القطرية على مقالي السابق المعنون “الإمارات وقطر . . .كل النقاط على كل الحروف”، فلأن رد الزميل القطري يجسد الحالة الإعلامية القطرية في مجملها ومفصلها من حيث الهشاشة والضعف، والمصادرة على المطلوب بالهروب إلى الأمام . لذلك لا بد من الاستناد إلى معيار المنطق كإطار نتمسك به ونتمنى أن يعتمده بالقدر والكيفية أشقاؤنا القطريون .

أراد أحمد علي أن يدافع عن الصحافة القطرية فجاء رده دليلاً جديداً على ما آلت إليه هذه الصحافة من حيرة وبؤس .

ويقتضي المنطق الذي هو جزء من تخصصي في الفلسفة أن يتناول الرد، كل رد، النقاط الواردة في النص المردود عليه، وليس ذكرها أو المرور عليها ثم الرد على غيرها من “رأس” الكاتب كما فعل الزميل . ليس الزميل فقط، وإنما الأخ والصديق ورفيق الطفولة، وأتوقف عند هذه الحقيقة لأدلل على الشرخ والجرح العميقين اللذين أحدثتهما السياسة القطرية المتهورة في كل بيت في الإمارات وقطر ودول “التعاون” .

تكلمت في المقال السابق على الفرق الكبير بين الإمارات وقطر في مختلف المجالات بدءاً من المؤسسة الإعلامية، والرد المنطقي في هذه الحالة أن يوافقني الزميل القطري بالقول إنه يتفق معي في الرأي، أو لا يوافقني مع إيراد الأسباب بأن الإعلام والصحافة في قطر أفضل، كأن يقول مثلاً: إن عدد الصحف والفضائيات في قطر أكثر وهي في نوعها أجود، وكأن يقول: إن في قطر وليس في الإمارات مناطق إعلامية حرة متعددة، نشيطة ومؤثرة، وكأن يقول: إن حرية الصحافة والتعبير في قطر أفضل من مثيلتها في الإمارات، لكنه لم يتطرق إلى ذلك . وذهب إلى نقطة بعيدة اخترعها، حول التوطين في صحيفة “الخليج” التي يعرف هو كما يعرف غيره أنها اليوم كما كانت دائما الأولى إماراتياً وخليجياً، وفي المراكز المتقدمة عربياً، وأن بعض سر ذلك الخبرات والتجارب الوطنية والعربية التي محضت “الخليج” خالص إخلاصها وإتقانها، ومن هنا فإن واقع هذه الصحيفة منذ أطلقها المؤسسان الكبيران تريم عمران وعبدالله عمران، رحمهما الله، إلى اللحظة المضيئة الراهنة هو موقف منسجم ومتناغم مع بعضه بعضا، وهو مع التوطين المدروس قلباً وقالباً، ومع معاملة كل قطاع في عنوان التوطين على حدة، وهو ما فطن إليه المشرع في الإمارات أخيراً حين عمد في التعديلات المزمعة على قانون العمل، وذلك بعد استمزاج آراء المجتمع بأطيافه كافة، إلى معاملة القطاع الخاص باعتباره قطاعات متعددة حسب طبيعة العمل، وطرأ على البال لو احتكمنا إلى جمعية الصحفيين (تأسست في يناير 2000) واتحاد الكتاب في الإمارات (تأسس في مايو 1984) والتنظيمين المماثلين في قطر، فتبين أنه لا جمعية صحفيين في قطر بالرغم من المطالبات المتكررة من الزملاء هناك ومن الاتحاد الدولي، وأنه لا جمعية أدباء وكتاب بالرغم من إرهاصات ووعود وحتى إشهارات سابقة والكلام على تخصيص مقر في الحي الثقافي لجمعية لم توجد أبداً في قطر بالرغم من مطالبات الزملاء هناك والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في كل بيان يصدره، وللعلم فإن الكتاب والأدباء العرب في كل مكان ينتظرون، وكلهم اعتداد، انتقال الأمانة العامة من القاهرة إلى أبوظبي في العام المقبل .

في عنوان متفرع من عنوان الإعلام ككل، تناولت في مقالي السابق قناة الجزيرة القطرية الإخوانية مشدداً على انحيازها وعدم موضوعيتها، وأدخلتها في تحدي استضافة اثنين يتحاوران في برنامج “الاتجاه المعاكس” حول سجن الشاعر القطري محمد بن الذيب لمدة 15 عاماً كعقوبة غير مسبوقة عالمياً على قصيدة قالها، أما المفاجأة فإن الزميل أحمد علي يترك ذلك كله، ذاهباً إلى أن هناك جزراً غير “الجزيرة”، يعني بذلك جزر الإمارات الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى المحتلة من قبل إيران، والزميل، شأنه شأن معظم الصحفيين والمغردين القطريين، إنما “يعيرنا” نحن أهل الإمارات باحتلال إيران لجزرنا، الأمر الذي نستغربه تماماً نظراً لطبيعة الاحتلال الذي تم بالقوة قبل أكثر من أربعة عقود، ومنذ ذلك الحين بقيت الإمارات على موقفها الثابت الذي لا تحيد عنه، متمثلاً في التمسك بعروبة الجزر ورفض الاحتلال، والمطالبة بمفاوضات ثنائية غير مشروطة مسبقا أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لاسترداد هذا الحق العربي . إن احتلال جزر الإمارات مثل أي احتلال لأية أرض عربية، وطوال العقود الماضية وقفت قطر مع شقيقتها الإمارات نحو استعادة الجزر، فما الذي استجد الآن، وما هي علاقة الخلاف القطري الخليجي أو القطري الإماراتي باحتلال الجزر، ثم ما هي العلاقة أصلا بين قناة “الجزيرة” القطرية الإخوانية وجزر الإمارات؟ ليس إلا الاشتقاق اللفظي، ويبدو أن الزميل مغرم بسوق الألفاظ في غير سياقاتها المنطقية كإيراده مثلاً كلمات “رمسة” و”البخور” و”الهنود الحمر” و”الجشيد” في مقاله، كأسلوب مكشوف للهروب من المواجهة .
ويقول الدرس المنطقي: إن أحمد علي كان يجب أن يتفق معي حول قناة “الجزيرة” أو يختلف بقوله مثلاً: إن قناة الجزيرة غير منحازة وإنها لا تؤيد الإخوان المسلمين وإنها تتكلم عن سلبيات قطر كما تتحدث عن سلبيات غيرها، وإن قناة “الجزيرة” تقبل تحديك يا حبيب الصايغ .

أحمد ترك كل ذلك، وتكلم في غير موضوع الحوار، جزر الإمارات المحتلة، وفي المقال موضوع الرد إشارة إلى اتهام عدالة الإمارات بعدم العدالة، والتدليل على ذلك وعلى دعاوى انتهاكات وتعذيب بالاستناد إلى تقارير منظمات مشبوهة، وقلت: إن استناد القطريين إلى هذه المنظمات في حالة الاستشهاد على الإمارات يعني أنها تصدقها عندما تتكلم سلبياً بالنسبة إلى قطر، خصوصاً في ما تعلق بملفات الحريات والحقوق والعمالة الوافدة، مع تجيير ذلك ضد استضافة قطر كأس العالم ،2022 وواضح أن المراد هنا أن هذه المنظمات غير مصدقة أو موثوقة في مواقفها سواء إزاء الإمارات أو قطر، فكيف يرد الزميل المحترم أحمد علي؟

الرد المنطقي أن يؤيدني أو يخالفني بقوله: إن المنظمات التي تسب الإمارات منظمات طاهرة ونزيهة، وأن المنظمات التي تتهم قطر منظمات سيئة ومغرضة، وأن هذه غير تلك، لكن الزميل العزيز لا يفعل ذلك وإنما يهرب منه بالحديث عن الحاقدين والحاسدين لاستضافة قطر كأس العالم، مبشراً بأن الحدث المونديالي الأشهر سينعقد في موعده في دار “التميمي تميم” حسب تعبيره .

هو الهروب إلى الأمام كعادة الإعلام القطري، فالحدث المونديالي ليس موضوعنا، وكل الأمل أن ينعقد في الدولة الشقيقة فذلك فخر لنا جميعاً . قلنا ذلك يوم فازت قطر ونقوله ونردده الآن وكلنا أمل بأن تكون ادعاءات الرشى كاذبة، لكننا بالمناسبة سنتذكر هنا حدثين: موقف قطر الملتبس وغير المعروف حتى الآن من استضافة دبي والإمارات معرض إكسبو ،2020 وموقف الدوحة الملتبس من استضافة أبوظبي مقر “ايرينا” .

وفي مقالي تكلمت على اللحظة الحرجة التي يعيشها مجلس التعاون بسبب سياسات الدوحة، حيث تأجلت القمة التشاورية فيما مصير القمة الخليجية المقبلة المزمعة في الدوحة مجهول، والرد المنطقي على ذلك هو إما أن يوافقني الزميل القطري أو أن يخالفني الرأي بقوله: إن مجلس التعاون اليوم في أحسن حالاته، وأن القمة التشاورية لم تؤجل بسبب قطر، وأنه لا مخاوف على مصير قمة التعاون المقبلة، ومصير فكرة التعاون الخليجي في الأساس .

بدلاً من ذلك، يمارس الزميل هوايته في التهرب من المواجهة والهروب إلى الأمام، فيسألني: أين كنت يوم انسحبت الإمارات من الوحدة الخليجية النقدية في 2009؟

أقول: كنت، كما صحافة بلادي، حاضراً في صميم المشهد، وطالبت في البداية بموقف أوضح وأشد، فالإمارات كانت الأنسب لاستقبال البنك المركزي الخليجي وكان هنالك اتفاق بهذا الشأن .

والآن أقول: أبدت الإمارات بعد ذلك موقفها في وضوح شديد، ثم طوت الصفحة ووضعتها في حجمها الصحيح . لم تبالغ أو تتاجر كما يريد القطريون اليوم، ثم دارت الأيام، وتبين بعد الأزمة النقدية العالمية عموماً، وبعد أزمة اليورو خصوصاً، أن الموضوع لم يعد مهماً أو ضرورياً للإمارات وللجميع .

للوضع الحالي أثره وخطره، الأمر الذي يتجاهله القطريون وكأنهم غير مسؤولين عنه، فهنالك إضرار مباشر بأمن الإمارات والخليج، وقد حوكم الجيدة محاكمة علنية بحضور السفارة القطرية، وفي الطريق محاكمات لمجموعات إرهابية أرادت العبث بأمن الإمارات ممولة من قطر، أما العناصر الاستخباراتية القطرية المقبوض عليها مؤخراً، فلا أحد في قطر ينكر انتماءها رسمياً إلى جهاز الأمن ويريدون إقناعنا بأن مهمتهم سياحية .

وبالنسبة لهجوم القطريين على الرموز الإماراتية، فإن الكلام العاطفي الجميل للزميل لا يكفي، مع الشكر والتقدير الواجبين، والحق أنني، شأن كل حريص، ضد الهجوم على رموز الجانبين، لكن الجانب القطري صدر، للأسف، في ذلك كما يبدو، عن أحقاد مبررة ودفينة، وواحد مثل العذبة قد تجاوز كل حدود الأدب، وواحد مثل الشبرمي ارتكب بالتأكيد جريمة تاريخية، والصحافة القطرية تحتضن مهرجاً مثل كساب العتيبي، فهل من الأخلاق، إلى ذلك، محاولة النيل من القائد الرمز الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ثم لا تعتذر القيادة القطرية ولا تحرك ساكناً؟

قطر قبل ذلك خسرت ثلاث فرص كان من شأنها الإنقاذ من ورطة الوضع الحالي: الفرصة الأولى حين صرح الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في مجلسه بأنه لا خلاف مع قطر، وأن الشعب القطري إخوة وأهل، وأنه يراهن على الأمير تميم، وللعلم كان ذلك هو ما يردده محمد بن زايد حتى في الاجتماعات المغلقة، فلم تستجب قطر للنداء، وخسرت ثقة شعب الإمارات والفرصة الأولى .

وخسرت ثقة شعب الخليج والفرصة الثانية حين لم تستجب لآلية تنفيذ اتفاق الرياض التي وقعت عليها .

وخسرت الدوحة ثقة الأمة العربية بأكملها، والفرصة الثالثة حين تعاملت مع الاعتداء الصهيوني على غزة تجاه العرب ومصر خصوصاً بمنطق الريبة ونظرية المؤامرة، فيما كانت تلك فرصة ثمينة للتضامن نحو الانتصار لأهلنا في غزة .

في الموضوع الخليجي يجب التشديد مجدداً على أن المشكلة خليجية والحل خليجي، وعلى أنه لا حل منفرداً، ما يوجب، وفق محللين خليجيين وضع زيارة الأمير تميم إلى خادم الحرمين الشريفين وتحرك الأمير مقرن في الإمارات ودول المنطقة في الإطار والتفسير الصحيحين، وتتوقع الإمارات أن يكون في تحرك الأمير تميم والأمير مقرن مخرج يضمن أن قطر ستعود إلى البيت الخليجي مع ضمانات بأنها ستتصرف ضمن المصلحة المشتركة بعيداً عن دعم الأجندات المتطرفة التي سببت الأزمة وأطالتها فوق ما تحتمل بحيث لا يكون هناك ضرر على دول الخليج، وبحيث تبعد المنطقة عن وضع عدم التوازن وتنتهي عزلة قطر .

يذكرنا الزميل أحمد علي في نهاية رده الذي لا يرد فيه على شيء، بفضل قطر على بعض أهل أبوظبي والإمارات في مرحلة من المراحل في خلال عقدي الخمسينات والستينات، ومن قال لك إننا نسينا فضل قطر حتى تذكرنا به؟ قطر التي نعرفها لا ننساها أو ننسى فضلها أبداً . قطر الطفولة ومدرسة الخليج العربي الابتدائية وسوق واقف القديم وبيتنا وبيتكم يا أحمد في “أم غويلينا” قطر العلم والبناء في مرحلة مبكرة رغم قلة بل شح الإمكانات، قطر الكرم واستقلال القرار والحرص على مصلحة شعبها وشعوب المنطقة، قطر علي بن عبدالله آل ثاني وأحمد بن علي وخليفة بن حمد، تلك قطر التي نعرف، أما قطر الفتنة و”الإخوان”، وبطانة السوء بأجنداتها الخارجية، و”جزيرة” ياسر أبو هلالة، فهي التي لا نعرف ولا نريد .

زر الذهاب إلى الأعلى