داعش والنازيون الألمان: علاقات قديمة مستمرة

يبدو تصور العلاقة بين النازيين والإسلاميين المتشددين في ألمانيا صعبًا في ظل الصدامات الدامية بين الطرفين في الآونة الأخيرة، لكن دائرة الأمن الألمانية تحدث منذ سنة 2002 عن تنسيق ملحوظ بين الطرفين.

وقع برنامج بانوراما، الذي تبثه القناة الأولى في التلفزيون الألماني، على مؤشر خطير قد يكشف تعاونًا خفيًا بين تنظيم (داعش) والمنظمات النازية في ألمانيا. وجاء في البرنامج، الذي بث مساء الخميس، أن داعش تتخفى وراء صفحة معروفة للنازيين على الانترنت، وتستفيد منها للتخلص من رقابة الدولة الألمانية.

وتوصل صحفيو البرنامج إلى بريد إلكتروني خفي، داخل الشبكة النازية، يستخدمه ناشطو داعش بعيدًا عن عيون الرقباء. وهو بريد أقامه النازيون طوعًا للاسلاميين المتشددين لتأمين سرية تبادل المعلومات داخل تنظيمات داعش المختلفة بحسب ما أورد موقع إيلاف.

بريد إلكتروني
الغريب، وليس المفاجىء في الأمر، أن الحديث يدور عن موقع كبير لنازي ألماني شهير، عرف عنه حماسه الكبير في الفترة الأخيرة للصدام مع تظاهرات الإسلاميين المتشددين في ألمانيا.
ويستخدم اليمينيون المتطرفون، والنازيون الصريحون، وقطعان حليقي الرؤوس، نفس الشبكة في اتصالاتهم، إلى جانب داعش.

وكشف برنامج “مونيتور” أيضًا، وبمثابة دليل اثبات، أن داعش عمم البريد الإلكتروني المذكور، والتابع للصفحة الإلكترونية النازية، في عدد الصيف الماضي من صحيفة دابق الناطقة باسمه باللغتين العربية والانكليزية، الذي نشرها بعد احتلال مدينة الموصل العراقية.

ودابق صدرت بنسختين الكترونية وورقية، وتعمم رسائلها السرية على التنظيمات في الخارج عبر الموقع الإلكتروني للصحيفة. وجرى توزيع النسخة الورقية على سكان المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم في سوريا، كذلك أُرسلت النسخة الالكترونية عبر البريد الالكتروني. ودعا هذه الموقع مرارًا المجاهدين إلى تنفيذ الهجمات بالقنابل في أوروبا.

أس أس زيغي
الحديث يدور هنا عن التنظيم النازي في منطقة الرور الصناعية من ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، إذ يستخدم التنظيم هنا موقعًا واسعًا اسمه (0X300) ويضعه تحت خدمة كافة التنظيمات النازية، وتشمل التنظيمات السياسية السرية والعلنية منها، أضافة إلى عصابات الدراجين وحليقي الروؤس وفرق الروك النازية. ويمكن للإسلاميين المتشددين، بحسب تعليمات سرية، الوصول عبر منبر “الحياة ميديا سنتر”، داخل هذه الشبكة، إلى صحيفة دابق وموقع داعش على الانترنت.

يقود موقع (0X300) النازي الألماني دينيس غيميش، من دورتموند، المعروف في الأوساط النازية خليفةً لـ “أس أس زيغي”. و”أس أس” هي قوة الصاعقة النازية المعنية بالتصفيات والرقابة، وتعني كلمة “زيج” النصر، التي كان النازيون يكررونها “هايل زيغ” إلى جانب هايل هتلر.

وأصبح غيميش (29 سنة) زعيمًا لحزب اليمين المتطرف الذي أجازته السلطات، والذي وصل إلى بلدية مدينة دورتموند، في أعقاب حظر منظمته السابقة “المقاومة القومية في دورتموند”.

أسسه الموساد
حل غيميش ممثلًا لحزبه في بلدية دورتموند بعد انسحاب زميله النازي المعروف زيغفريد بورخارت، المعروف بـ أس أس زيغي، لصالحه. وأثار جيميش قبل فترة عاصفة من القلق في مجلس بلدية دورتموند حينما طالب بمعرفة عدد وأسماء وعناوين اليهود المقيمين في مدينة دورتموند.

ويشارك تنظيم اليمين بنشاط ضد تجمعات وتظاهرات الإسلامين المتشددين في ألمانيا وفي ولاية الراين الشمالي فيستفاليا على وجه الخصوص. وأعلن قبل فترة عن تنظيم فصائل متحركة لمواجهة ما يسمى بشرطة الشريعة، التي نظمها الإسلاميون في مدينة فوبرتال القريبة. وقيِّم جيميش تنظيم داعش، في خطبة أمام إحدى مظاهرات تنظيمه في دورتموند، بأنه تنظيم أسسه الغرب وشارك الموساد الإسرائيلي في تأسيسه.

بروتوكول مخفي
من ضمن التنظيمات النازية التي تستخدم شبكة جيميش “كمارادشفات شفيرين”، “القوميون الألمان في نوردهارتس”، “القوميون الأحرار في غوبنغن”، “المقاومة القومية في ديوسبورغ”، وكلها تنظيمات تخضع لرقابة دائرة حماية الدستور، أي الأمن الألماني.

وأصبحت الشبكة موقعًا للتنسيق بين تجمع التنظيمات النازية وهوليغان كرة القدم الذي تألف أخيرًا كتحالف ضد الإسلاميين في ألمانيا.
ويطلق هذا التحالف على نفسه أسم “هوغي سا” وهو مختصر هوليغان ضد الإسلاميين، وتشارك المنظمات المذكورة، وخصوصًا تنظيم حزب اليمين، في نشاط هذا التحالف.

وتكمن صعوبة ملاحقة الشبكة أن البروتوكول IP لا يسجل عند استخدام البريد فيها، وأن خدمة الصفحة تقع في الولايات المتحدة الأميركية.

علاقات قديمة
يعتبر رجال الأمن الألمان حتى الآن أن الحديث عن تعاون أو تنسيق بين الاصوليين الاسلاميين واليمين المتطرف في أوروبا أمر مستبعد، بسبب سعة شق الخلاف بين الطرفين.

وبحسب تعبير أحد خبراء دائرة حماية الدستور، فإن النازيين يبقون كفارًا في أعين الاصوليين كما يبقى الغشلاميون أجانب ينبغي طردهم في أعين النازيين.
الا أن الثقة في هذا الافتراض اهتزت في مطلع القرن الواحد والعشرن بعد أن لاحظ محققو الشرطة وجود تعاون بين حزب التحرير الاسلامي المحظور في ألمانيا والحزب القومي الالماني اليميني المتطرف.

وتحدثت النيابة العامة آنذاك عن ندوة مشتركة عقدت في جامعة برلين التقنية بين الحزبين تركزت حول التحضيرت للحرب الأخيرة ضد العراق.

وعقدت الندوة، التي دعا لها حزب التحرير الاسلامي، في اكتوبر (تشرين الأول) 2002 بحضور رئيس الحزب القومي الالماني اودو فويغت ومحامي الحزب هورست مالر. ويذكر أن هذا الأخير اشتهر بتعاطفه مع جناح الجيش الأحمر اليساري المتطرف في السبعينات، قبل أن ينتقل إلى أقصى اليمين قبل سنوات.

ويعتبر النازي السويسري احمد هوبر أبرز علامة اليوم على التقارب بين اليمين والاصوليين. وكان هوبر قد اعتنق الاسلام قبل عشرين سنة، وتعتبره دائرة حماية الدستور من أشهر المحاضرين في موضوع الاسلام بين المنظمات النازية الجديدة في أوروبا.

تشديد الرقابة
في العام نفسه، أصدر وزير الداخلية الاتحادي اوتو شيلي قرارًا بحظر نشاط حزب التحرير الإسلامي في ألمانيا. ترافق قرار الحظر مع حملة تفتيش ومصادرة مستندات وأموال شملت أكثر من 25 هدفًا في خمس ولايات ألمانية هي بافاريا وبرلين وهامبورغ وهيسن والراين الشمالي فيستفاليا.

وجاء في البيان الذي أصدرته الوزارة أن نشاط حزب التحرير الإسلامي يتعارض مع مبادئ التعايش بين الشعوب التي ينص عليها الدستور الألماني. وذكر الوزير شيلي أن حزب التحرير الإسلامي، الذي تأسس في القدس في العام 1953، يحتفظ بصفحة إلكترونية في الانترنت تدار من قبل تنظيمات في العاصمة البريطانية لندن وتروج لأفكاره المتطرفة.

وقال الوزير آنذاك إن وزارة الداخلية شددت الرقابة على تنظيمات الحزب المحظور بعد تزايد نشاطه في كبريات الجامعات الألمانية، وإن دائرة حماية الدستور الاتحادية سجلت وقائع ندوة ساهم فيها أعضاء الحزب في جامعة برلين يوم 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2002.

ويفترض أن يكون أعضاء حزب التحرير، وبحضور قادة أحد أحزاب النازية الجديدة، قد رفعوا شعارات معادية لأميركا، ودعوا إلى إعادة تأسيس دولة الخلافة في العالم الإسلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى