جاسر الجاسر: القرضاوي من الفقيه إلى السياسي

جاسر الجاسر-الحياة.. الشيخ يوسف القرضاوي اشتهر برؤاه الفقهية العصرية واعتماده الرأي في شكل أساسي، ما جعل أطروحاته محل جدل مع زملائه من الإخوانيين والسلفيين.

كان وسطياً مسالماً، حتى إن علاقته مع «جماعة الإخوان» كانت باهتة إلى أن انقطع عنها، ثم أنشأ عام 2004 الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ضاماً معظم الكوادر الإخوانية المتنافرة جزئياً مع السياسة التقليدية للجماعة، فكان صوتاً بديلاً أو ربما جناح تجديد وموازنة، وهو ما يدعمه وقوف هذا الاتحاد إلى جانب الجماعة منذ 2011 حتى إن القرضاوي يبدو وكأنه مرشد الجماعة الأعلى وسندها المتين ومنقذ شتاتها.

منذ بدء الربيع العربي تبدل القرضاوي كثيراً، فلم يعد فقيهاً معتبراً بقدر ما أضحى سياسياً نشطاً يتدخل في أدق التفاصيل ويشجع التحريض والثورة ويتخذ مواقف ضدية سريعة، متخلياً عن كل وقاره الفقهي المفترض ويتعجل بالأحكام الظنية ويطلق شعارات سياسية حادة.

من غير المنطقي أن يتحول شيخ اشتهر بالتيسير والرخص إلى شخص يستهين بالدم ويوالي التخريب ويسعد بإرهاب الناس ما لم يكن خضع لضغوط معينة لم يستطع مقاومتها، أو تحيط به دائرة هدفها الانتفاع باسمه حيث لا كبير فيها سواه ولا صوت يعلوه ولا ثقة بغيره.

لو كان القرضاوي مهمشاً ومنبوذاً من جماعته لكان من الممكن فهم هذا الانقلاب على أنه استعراض للقوة الكامنة واستعادة لروح السلطة، لكنه اعتذر أكثر من مرة عن منصب مرشد «الإخوان»، ثم حين أنشأ «الاتحاد» أوضح أنه «لا يعادي الحكومات، بل يجتهد في أن يفتح نوافذ للتعاون معها على ما فيه خير الإسلام والمسلمين». وأنه لا يجنح للتطرف والغلو ولا ينتمي إلى أية جماعة أو حزب أو دولة.

ما يفعله القرضاوي اليوم يخالف كل ذلك، حتى ليجوز القول إن القرضاوي السابق غير الذي يحتشد حسابه وموقعه بكل عبارات العنف والثورة وهدر الدماء بعد أن كان يرتعب من هدر نقطة دم واحدة. إذ صنع مريدوه والمنتفعون من اسمه هالة حوله جعلته أشبه بالولي الفقيه، فلا يرد له قول ولا يناطحه أحد في فتوى ولا يجوز الاعتراض عليه، بل يجب طاعته المطلقه في المنشط والمكره.

طوال العقود الماضية كان القرضاوي محل الحفاوة الخليجية، بدءاً من قطر التي منحته جنسيتها ومنابرها، إلى السعودية والإمارات اللتين كرمتاه شخصاً وعلماً بأرقى جوائزهما، لكن أحداً لم يتصور أنه سيكون الخصم بعد هذا الجهد والعمر وأنه سيقطع صلته بكل شأن سوى التأليب على هذه الدول واحتضان خصومها، حتى إنه لم ينكر على «داعش» سوى استئثارها بالخلافة، التي يجب أن يُعلَن صاحبها عبر منبر «الاتحاد» لا جهة أخرى غيره.

بعد 88 عاماً أصبح القرضاوي في القائمة الحمراء للإنتربول، ليس لأن الظَّلَمة يناصرون بعضهم، بل لأن كل ما يهمه إسقاط النظام في مصر وإن غرقت في الدمار وشلها الخراب. في الصفحة الرسمية لاتحاد علماء المسلمين طُرح استطلاع، أهم سؤالين فيه هما: هل أنت مع تسلم الإسلاميين الحكم؟ وهل ترى أن توحيد الصف الإسلامي الوسطي العام عالمياً وتكوين قوى تأثير حقيقية هو من أهم الحلول لمواجهة مخططات تفتيت وتقسيم الأمة الإسلامية والعربية حالياً؟
هي السلطة إذاً وإن طويت الكتب كما فعل عبدالملك بن مروان.

زر الذهاب إلى الأعلى