عبير الفوزان: نقاب أبو طبقات

عبير الفوزان- الحياة.. من لا يعرف من أبوظبي سوى عالم فيراري، أو متابعة مواسم شاعر المليون في التلفزيون، أو حتى الحضور إليه في مسرح شاطئ الراحة، فهو لا يعرف أبوظبي، من لم يعش في أبوظبي في الثمانينات والتسعينات، وعرف أبوظبي أخيراً كعاصمة لدولة أصبحت وجهة سياحية بامتياز، فهو لا يعرف أبوظبي.

بين أن تعرف وأن تهرف مساحة شاسعة من الاختلافات، تجعل من الذي يعرف يستغرب ما يقوله الهارفون، حادثة (جريمة الريم) -أو كما قيل عنها «جريمة النقاب»- التي حدثت في أبوظبي، هزتني على المستوى الشخصي، وغرقت في الاستغراب؛ لأني أعرف أبوظبي تماماً، وأعرف نساءها «الظبيانيات» الأصيلات، وأعرف شوارعها، وأعرف جزيرة الريم من أول ردم لها في البحر، وأعرف حتى تاريخ نقاب «أبو طبقات»، الذي كانت ترتديه الجانية أثناء اقترافها الجريمة، وربما لو اعتصرت ذاكرتي وعدت مرة أخرى لأبوظبي ومدينة «خليفة ب» لعرفت أين يقع منزل رقم 119 بيت الجانية. وقبل كل ذلك أعرف مستوى الأمن في أبوظبي، الذي لا تحتاج إمارة أبوظبي أو الإمارات كافة إلى أن تتباهى به، فلن ننسى جريمة الفنانة سوزان تميم والتي قُبض فيها على المجرم في أقل من 48 ساعة.

كما لا تحتاج أبوظبي إلى أن تفتعل جريمة لتمنع النقاب، ولاسيما أن جميع دوائرها الأمنية والتي تعمل فيها النساء تشترط عدم ارتدائه منذ زمن بعيد، قبل «تويتر» ونظريات المؤامرة التي يفتعلها بعضهم ضد الإمارات.

أمر جميل أن يُبدي الغيورين على الحشمة خوفهم من منع النقاب، ولكنه خوف سابق لأوانه، فهو مثل من «يولِّم العصابة قبل الفلقة»، أو مثل من يعصب رأسه؛ لأنه سيذهب لفلق أحدهم! ولعل الأجمل والأكثر صدقاً ومنطقية أن يخافوا على تلك المدينة الوادعة الهادئة، أما من لم يعش فيها، ولم يعرفها ولم يعرف أهلها وناسها، الأجدر به أن يصمت، لا أن يظهر خوفه الأخرق على موضة النقاب «أبوطبقات»، تلك الموضة الدخيلة على المجتمع النسائي الظبياني في أواخر التسعينات، والتي ابتكرتها إحداهن؛ لأنها لم تعرف كيف تضع الطرحة فوق النقاب فاخترعت نقاب أبو طبقات بقصة دائرية ليبدو مثيراً!

الظبيانيات الأصيلات يتسمن بالحياء، ولاسيما من كن في عمر الجانية. أمهاتهن يرتدين البرقع، ويغطين فوقه بالشيلة، أما هن فالكثيرات منهن يسدلن غطاء الوجه عليهن عندما يلوح «زول رجل» أو يترجلن من سيارتهن. لا يحملن براميل الغاز والسكاكين لقتل من يخالفونهم في الجنسية أو المعتقد، ومدينتهن أبوظبي من أكثر المدن أمنا، فدبيب النمل الأشر فيها يُسمع ويُعرف، لذا لم تكن المشكلة في الحشمة ولا في الاستعراض الأمني.

بلا شك هناك جريمة حدثت في أبوظبي، وتحديداً جزيرة الريم، وبلا شك هناك جانية قُبض عليها في زمن قياسي، وتحديداً كانت ترتدي نقاباً. وبدلاً من التنظير حول النقاب الذي ليس هو المعني في الجريمة، ولا جزيرة الريم التي تعد استثماراً عقارياً بالبلايين، فلا أظن -مثلاً- أن أحداً سيبيع استثماره في جزيرة الريم بسعر أرخص بسبب تلك الحادثة، بل المعني هو فكر دخيل استهدف مدينة آمنة وعاصمة الاتحاد في أجمل أيامها، وهو احتفالها بالسنة الـ43 لقيام دولة الاتحاد. من حق المواطن الظبياني والمقيم، أن يرى تمثيل الجريمة وتمثيل القبض على الجاني، فهما المعنيان بالأمر؛ لأن هذا جزء من أمنهم وسلامتهم، التي تعني لهما الكثير في مدينة لم يروِّعهم فيها حادث. كما من حقهم علينا أن نتمنى لمدينتهم الأمن والسلامة من الأفكار المتطرفة، فالأيام حبلى بالمفاجآت حول الجانية وفكرها ومن يقف وراءها. فسلمتِ أبوظبي من أقصاكِ إلى أدناكِ من كل شر، ومن كل متطرف، ومن كل فكر حاقد وحاسد.

زر الذهاب إلى الأعلى