فتوى بقتل كاتب تشعل نقاش الهويات والحريات في الجزائر

اتهم الشيخ “عبد الفتاح حمداش زراوي”، زعيم جبهة الصحوة السلفية (وهي تنظيم محظور)، الصحفي والروائي الجزائري “كمال داود”؛ بالكفر والزندقة والتصهين، وسب الله والتطاول على القرآن ومحاربة الإسلام والعربية ومعاداة أهلهما.

وجاء في صفحته الخاصة على فيسبوك قبل أن تقوم الشركة بغلقها، بأن هذا “الكاتب الزنديق الكافر كمال داود المتصهين المجرم يسب الله تعالى، ويتطاول عـلى القرآن، ويحارب الإسلام واللغة العربية ويعادي أبناء أهل الإسلام”، ليضيف “ندعو النظام الجزائري إلى الحكم عليه بالإعدام قتلا علانية”.

متضامنون ولكن!
وانقسم رواد شبكات التواصل الاجتماعي في الجزائر، بين متضامن مع كمال داود ورافض لفتوى حمداش، و بين منتقد لتصريحات الروائي حول اللغة والإسلام والانتماء. فيما ذهب طرف ثالث إلى انتقاد الطرفين باعتبارهما وجها التطرف الذي يغذي الحقد والكراهية بين أبناء الوطن.

فقد كتب “الخي محمد” على صفحته معبرًا عن تضامنه مع كمال داود، قائلاً ” كلنا كمال داود فاقتلونا جميعا إن استطعتم”، وأضاف” مرة أخرى لم يستطع من ينصبون أنفسهم سفراء الله على الأرض أن يواجهوا التفكير فاستعانوا بالتكفير”، كما علق الكاتب الصحفي “مروان الوناس”؛ على صفحته، موجها كلامه للشيخ حمداش” أنت لست مفتي الديار ولا حارس القيم، وإن كنت داعية فعليك بالنصح ليس إلا، أما أن تتولى الإفتاء بإهدار الدماء، فأقول لك “لا يا سيدي”، وأضاف الوناس “الفكرة القوية لا تدحضها سوى فكرة أقوى منها، والرأي الصائب لا يجابهه سوى رأي أصوب منه، أما القتل والعنف فهو خيار العاجزين وسبيل الفاشلين”.

وانتقد كثير من ناشطي فسيبوك التصريحات التي أطلقها صاحب رواية “ميرسو: تحقيق مضاد”، ووصفوها بـ”الخطيئة”، التي لا يجب السكوت عنها، لأنه تجاوز الخطوط الحمراء، وقفز على هوية ومقدسات الشعب الجزائري ودينه وكتب سليمان ديدي، “كمال داود شخص متنصل عن دينه وانتمائه، ويبحث عن مكان له تحت شمس فرنسا”، فيما قال “سفيان عثماني”؛ ” أن كمال داود تطاول على الذات الإلهية، وعلى قيم الشعب الجزائري وثوابته، فلا تصنعوا منه بطلا للحرية والفكر التنويري”.

وأطلق مجموعة من الصحفيين حملة على فيسبوك، سموها “صحفيون ضد المستهزئين بالشريعة” للرد –حسبما يزعمون- على أدعياء الصحافة وأشباه الإعلاميين الذين وقفوا إلى جانب من يسب كتاب الله.

لا للتطرف بكل ألوانه
طرف ثالث رأى أن الجدل الدائر بين مساندي كمال داود ومعارضيه، لا يخرج عن سياق إلهاء الشارع الجزائري بمعارك وهمية، حيث كتب “يونس شرقي” منتقدا داود وحمداش قائلا” تبا لك أولا يا من تريد سلب إنسان حقه في الحياة، و تبا لك مرات عدة يا كمال داود لما يحمله قلبك من أحقاد على الهوية الحضارية للشعب الجزائري”، وأضاف “الموضوع يستحق نقاشا مع كمال داود لتعرية آرائه، وليس دعوة للقتل وإهدار الدم”.

وفي نفس السياق كتب “حسان زهار” مقالا في “جريدة الحياة” جاء فيه” لا .. لا تلمسوا كمال داود بسوء.. نحن نختلف معه، لكن لا نكفره ولا نلغيه”. وأضاف؛ “لا أريد لكمال داود أن تقتله فتوى مجنونة، فالإسلام أكبر ومن خلفه العروبة، بكثير من كمال داود وكل من هم على شاكلته”. فيما اتهم “رشيد بوجدرة” كمال داود بالسعي بمواقفه تلك إلى “استرضاء الفرنسيين لتحقيق الشهرة” .

وفي أول رد فعل حكومي على دعوة حمداش لإهدار دم داود، أدان “حميد قرين”، وزير الاتصال دعوة الإعدام، مشيرا بالقول “إنني أدين أي تهديد ضد أي مواطن بما فيهم كمال داود. أدين أي نوع من العنف سواء كان لفظيا أو كتابيا”.

من جانبه وكرد فعل مباشر، رفع الكاتب كمال داود دعوى قضائية ضد صاحب فتوى القتل.

امتحان فشلت فيه الدولة
واعتبر الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر أن دعوة حمداش إلى تطبيق “حكم الشريعة” في حق الكاتب كمال داود، باعتباره زنديقا ومرتدا، تعكس حالة من الضياع على المستويين المجتمعي والرسمي.

فهذه الدعوة –يقول بلحيمر- تمثل امتحانا للدولة، حيث أن حمداش لا يتخذ من قوانين الجمهورية مرجعية له، واعتبر أن تطبيق الشريعة يقتضي إعدام كمال داود، وهذا يطرح عمق التناقض القائم بين الخطاب الرسمي القائم على التبشير ببناء الدولة المدنية، وترسيخ أركانها، وما تسعى إليه تيارات سياسية من فرض نموذج آخر، مناقض تماما للنظام الجمهوري.

وفي حديثه لـ DW؛ يضيف بلحمير ” إن دور الدولة غائب في ضبط التجاذبات الاجتماعية بما يمنع الانزلاق نحو العنف، ففي نظام مغلق تغيب فيه آليات الحوار، يتحول الإقصاء والعنف إلى أدوات لإخضاع الرأي المخالف أو القضاء عليه، وهذه هي المسائل التي تثير مخاوف المثقفين والنخب عندما تثار مثل هذه القضايا. أما على المستوى المجتمع؛ فتكشف هذه القضية مرة أخرى غياب ثقافة الاختلاف والقبول بالآخر، الأمر الذي يكرس المزيد من الانقسام على مستوى النخب.

الجزائر تغيرت وصراع “الهويات” لم يعد بنفس القوة
ويرى الدكتور ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر أن ما حدث مع كمال داود “أمر خطير لا يجب السكوت عليه، فليس من حق أي إنسان تكفير أخر والمطالبة بقتله، لأن ذلك إعادة استنساخ لتجربة العشرية السوداء”. وحول موضوع الهوية والانتماء الذي أثاره كمال داود في تصريحه، قال جابي؛ ” إن مسألة الهوية والانتماء موضوع نقاش منذ الاستقلال، ولا يمكن أن يحل بسهولة أو بقرارات فوقية، ولابد من فتح نقاش موسع حوله، لكن البعض مازال يستعيد النقاش حوله بأدوات وطريقة الستينات والسبعينات، ولا يدركون أن الجزائر تغيرت وصراع “الهويات” لم يعد بنفس القوة التي كان عليها في السابق.

فيما يعتقد الدكتور محمد بوضياف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مسيلة، بأن الأمر يتعلق بمحاولة دوائر النظام المتصارعة حول السلطة أن تحييّ صور الصراع القديمة بين التيار الإسلامي والتيار الفرانكفوني، وإلهائهم عن القضايا الكبرى، فقد دشنت قضايا الإلهاء دعوة السيدة نعيمة صالحي، زعيمة حزب العدل والبيان إلى تعدد الزيجات، وتابع مدير الجمارك الحملة بمنع الخمار على الموظفات، في محاولة لإحداث فرز على أساس الدين والاستفادة منه في إدارة الصراع، وها هو كمال داوود يدخل على الخط لاستثارة المجتمع الجزائري، ويعمق هذا الجدل القديم الجديد.

Exit mobile version