بالأرقام: مصير الأسد و “داعش” متداخلان

تعددت الجهات التي اتهمت الرئيس السوري بشار الأسد بالعمل على دعم الجماعات الإرهابية على غرار تنظيم “داعش”، ساعيا بذلك إلى تشويه صورة المعارضة السورية. اتهامات نفاها الأسد جملة وتفصيلا خلال مقابلات سابقة أجريت معه.

غير أن مسألة ما إذا كان نظام الأسد، بالتعاون مع جهات أخرى، أسهم بطريقة أو بأخرى في تعزيز مجموعة من المجرمين والإرهابيين أطلقت حربها تحت راية “داعش”، لها أبعاد تتعدى مجرد مكافحة الإرهاب. إذ من غير الممكن تدمير تنظيم “داعش” ما لم تُعالج الأسباب الكامنة وراء فشل الدولة في سورية. أمر لا يمكن تحقيقه إلا بعد إقصاء الأسد عن سدة الحكم.

يقول فريد هوف، وهو زميل في “مجلس الأطلسي- مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط” في تحليل نشر في مجلة نيو ريببلك إن “المشكلة الأساسية التي سمحت لتنظيم داعش بالتنقل بكل حرية في أجزاء من سورية والعراق تساوي في مساحتها “نيو إنجلاند” هي فشل الدولة في كل من البلدين. وتصحيح هذا الخلل لا يمكن أن تنفذه دولة واحدة منفردة أيا كانت. “غير أنه وإلى أن تتمكن سورية والعراق من الانتقال من حالة “فشل الدولة” إلى الشرعية السياسية – أي إلى نشوء أنظمة تحصد إجماعا عاما حول قواعد اللعبة السياسية – سيبقى الدم يجري في عروق “داعش” بغض النظر عن عدد ملوكها أو ملكاتها أو رجال الدين أو المخادعين الذين يسقطون منها”، وفق هوف.

140616-isis-iraq-jms-1914_dfd9d334d657162e5efe720e4f206e29

يوافق كريم إميل بيطار الأخصائي في شؤون العالم العربي في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في حديثه لـ “الاقتصادية” على هذا التحليل قائلا: “لا يمكن التخلص من “داعش” دون التخلص من الأسد فإما أنهما يتوسعان جنبا إلى جنب أم يُقضى عليهما سويا”.

فإذا ما نظرنا إلى المعطيات الميدانية نلاحظ أن مصير تنظيم داعش ومصير الأسد متداخلان إلى حد بعيد. إذ تظهر آخر الإحصاءات أنه عوضا عن الدخول في مواجهات كاسحة على أرض المعارك، تتجنب قوى “داعش” وقوى الأسد الواحدة الأخرى باستثناء مناطق محددة كمنطقة القلمون السورية على سبيل المثال. وبحسب الأرقام التي نشرها مركز IHS Jane’s Terrorism and Insurgency Center’s JTIC في أوائل شهر كانون الأول (ديسمبر) فإن 13 في المائة فقط من الهجمات التي قام بها “داعش” خلال هذا العام استهدفت قوات النظام السوري. ما يبين تناقضا كبيرا بين الحرب التي تقودها المجموعة المتطرفة “داعش” في سورية وحربها في العراق، حيث إن أكثر من نصف الهجمات (أي ما يزيد على 54 في المائة) شنها “داعش” على قوات الأمن العراقية. في حين 64 في المائة من الهجمات التي قام بها “داعش” في سورية استهدفت الجماعات المعارضة لنظام الأسد.

ox2812937139757003512

إضافة إلى ذلك، تشير بيانات مركز JTIC إلى أن العمليات التي شنها الأسد وكان أكثر من ثلثيها غارات جوية، استهدفت جماعات غير “داعش”. ومن أصل 982 عملية من عمليات مكافحة الإرهاب التي نفذت منذ بداية العام ولغاية 21 تشرين الثاني (نوفمبر)، 6 في المائة منها فقط وجهت مباشرة ضد “داعش”.

وعلى الرغم من هول المجازر التي ارتكبها تنظيم داعش في سورية، تبقى كلفتها البشرية أقل من تلك التي نفذت على أيدي النظام. إذ بينت الإحصاءات أن عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم بسبب النظام يفوق عدد الذين قتلهم “داعش” في حرب حصدت حتى الآن أرواح ما يزيد على 200 ألف شخص.

وعليه وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1851 مدنيا على الأقل في شهر كانون الأول (ديسمبر)، 1049 منهم قتلوا على يد قوات النظام، بينهم 203 أطفال، و105 نساء مع 197 شخصا قضوا تحت التعذيب. في حين تسببت الجماعات المتشددة بمقتل 333 شخصا، واعتبر تنظيم داعش مسؤولا عن مقتل 72 مدنيا، بينهم أربعة أطفال وأربع نساء. كما قتل التنظيم ما لا يقل عن 236 مقاتلا خلال اشتباكات مسجلة أو عمليات إعدام.

isis-iraq-war-crimes.si

ومن جهتها وثقت اللجنة السورية لحقوق الإنسان ومقرها لندن مقتل 1328 شخصا في شهر كانون الأول (ديسمبر) تراوحت أسباب وفاتهم ما بين القصف بالبراميل المتفجرة والاشتباكات مع القوات الحكومية، والتعذيب ورصاص القناصين، بالإضافة إلى الغازات السامة خاصة غاز الكلور، وجراء نقص المواد الغذائية والدوائية الناجم عن حصار الغوطة الشرقية من قبل القوات الحكومية. في حين قضى 49 شخصا على يد تنظيم داعش، معظمهم كان إعداما بحضور الأهالي.

وفي مقابلة نشرت أخيرا على موقع معهد “بروكينغز” في الدوحة أعتبر مدير المعهد سلمان الشيخ “أن نظام الأسد يقتل المدنيين السوريين عشرة أضعاف مقارنة بـ”داعش”، فهو يجوّع السوريين ويقصفهم ويعذبهم أكثر من “داعش” حتى لو كان التنظيم يقوم بأعمال مروِّعة في سورية. وبين الأسد و”داعش”، يبقى التركيز حتى الآن على الأسد لأنه يُعتبر السبب و”داعش” أحد عوارض المشكلة الحالية. ثمّة اعتقاد أنه لو تم التخلص من الأسد والمحيطين به مباشرة، سيُقطع عندها الشريان الحيوي الذي يغذي “داعش” والجماعات المتطرفة الأخرى”.

A father reacts after the death of two of his children, whom activists said were killed by shelling by forces loyal to Syria's President Bashar al-Assad, at al-Ansari area in Aleppo

وفي سياق متصل، اعتبر جوشوا لانديس المختص في الشؤون السورية ومدير مركز الشرق الأوسط للدراسات في حديث لـ “الاقتصادية” أنه في الوقت الذي تعتبر الميليشيات الشيعية الداعمة لنظام الأسد طريقة فعّالة للقضاء على التنظيمات المتشددة إلا أنها تغذي في الوقت نفسه النزعة الطائفية لدى شريحة كبيرة من الناس ما يصب في نهاية المطاف في مصحلة “داعش”.

خرج الوضع في سورية بشكل كبير عن السيطرة بعد أن بات البلد مجزأ بين مختلف اللاعبين وأبرزهم تنظيم داعش وجبهة النصرة والحكومة السورية والجماعات الإرهابية الأخرى والقوات الكردية”. والواضح أن شرذمة البلاد تعني أنه لا يمكن إضاعة المزيد من الوقت. فقد ظنّ اللاعبون كافة – أكانوا من أصدقاء سورية أو ممن يدعمون الأسد أو حتى الأمم المتحدة أخيرا – أنه بالإمكان السيطرة على هذا الصراع، إنما أخطأوا في ظنهم، فقد رأينا النتائج غير المقصودة تتبلور بشكل كارثي في عام 2014، وعام 2015 لا يعد بأن يكون أفضل، بل من المرجح أن يكون أسوأ. لذلك، السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: هل وصلنا إلى نقطة النضوج السياسي والدبلوماسي الذي سيفضي إلى مبادرة سياسية حقيقية؟ أظن أن روسيا ستحاول إطلاق مبادرة ما في كانون الثاني (يناير)، ولكن ثمار هذه المحاولة مرتبطة باستعداد الأطراف، ومن يدعمهم بشكل خاص، للاعتراف بواقع ما يجري والمضي قدما” وفق سلمان الشيخ.

Soldiers-loyal-to-Syrias-President-Bashar-al-Assad-carry-a-wounded-soldier-at-the-front-line

والسبيل الوحيد لإضعاف الجماعات المتشددة يكون أولا في حل المشكلة التي يمثلها الأسد. يُذكِّر هوف أنه منذ أكثر من ثلاث سنوات دعا الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشار الأسد إلى التنحي، مضيفا أن “إطاحة هذا النظام المجرم لن يكون بالأمر السهل أو السريع. لكن ما لم يكن هذا الهدف جزءا أساسيا من الاستراتيجية الأمريكية، لن يكون القضاء على تنظيم داعش أمرا ممكنا. فالتنظيم أتى بمثابة هدية لنظام الأسد، وهو سيحيا ما دام النظام قائما”، وفق هوف.

وصحيح أن إرساء الحكم الشرعي في سورية سيتطلب أكثر من الإطاحة بالأسد، غير أن تغيير النظام سيكون الخطوة الأولى وفق هوف، وكسب الحرب على الإرهاب لن تتحقق من دون إرساء حكم شرعي سواء في سورية أم العراق.

من ناحيته يعتبر لانديس أن سورية اليوم تواجه معضلة كبرى بما أن القضاء على الجماعات المتشددة مثل “داعش” لن يكون ممكنا طالما أن الأسد في السلطة، إلا أن انهيار ما بقي من كيان الدولة السورية ستستغله الجماعات المتشددة لتعزز من قوتها.

والأكيد أن الحل في سورية لن يكون ممكنا إلا بعد تنحي أو إبعاد الأسد عن السلطة مع الحرص على منع انهيار مؤسسات الدولة. حل سيتطلب مهارة قصوى بحيث ينجح في الوقت نفسه في التوفيق بين عوامل أساسية ثلاثة: وضع الأسد والمقربين منه خارج اللعبة، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وضمان رضا اللاعبين الإقليميين الكبار.

140826-isis-jms-1546_fcebeb1cadf2fad5fe630f9adfe5f57d

زر الذهاب إلى الأعلى