ما لا تعرفه عن قصر الحكم في السعودية

يتغير الزمان وتتبدل الشعوب ويتغير الحكام، ويبقى المكان وحده شاهدًا على مر العصور، عما قد يغفله التاريخ، فجدرانه ذاكرة فولاذية، وأبنيته أعين ترصد وتحكي عن نفسها لتتداولها الألسنة من بعدها، “قصر الحكم” في الرياض واحد من أهم معاقلها على مدى التاريخ، وقلعة تحوي من القصص ما يسطر آلاف الكتب عما شاهده عبر حضارات ورموز وأزمنة مختلفة وسنوات طويلة.

في عهد دهام بن دواس، أنشئ القصر عام 1160 بأمر من الإمام تركي بن عبدالله، مؤسس الدولة السعودية الثانية، وأعيد بنائه بعدما أدخل في تصميمه أجنحة وأبراج وإصلاحات زادت من هيبته، وبعد مماته أكمل الإمام فيصل بن تركي بقية القصر، فزاد سعته وزين ساحاته بالزخارف الإسلامية، التي لم تكن معروفة حينها، ووضع ممر علوي بين المسجد.

ثلاثة طوابق على ارتفاع 15-18 مترًا يتكون القصر، يضمهم بوابة صغيرة وضيقة هي المدخل الرئيسي له، يحوطها مقاعد طينية طويلة للجلوس عليها، تفضي بداخلها لفناء واسع وجناح للضيوف وسجن ومصلى خاصة، إضافة إلى مقر المالية، هكذا ظل حتى استرد الملك عبدالعزيز آل سعود الرياض، وأعاد بناء أسواره وحصونه عام 1327، فترممت بعض أجزاء القصر وملحقاته.

لم يكتف الملك عبدالعزيز بترميم القصر، بل بنى ثلاثة جسور تربطه ببعض المرافق والمنشآت القريبة، أحدهما يصل للمسجد الجامع ليؤدي الملك صلاة الجمعة فيه، وآخر يمتد من منتصف القصر من الناحية الشمالية، وثالثهما يصل لبيوت العوائل وقصر والده الإمام عبدالرحمن، وعلى مدار ثلاثين عامًا، أديرت شؤون الحكم من خلال هذا القصر، رغم انتقال الملك عبدالعزيز وعائلته إلى قصور المربع شمال الرياض، إلا أنه ظل يمارس وظائفه الإدارية هناك حتى وفاته.

في عهد الملك عبدالعزيز، كان قصر الحكم أكبر بناية في الرياض، بني كنظيره من اللبن والطين، وامتد مساحته على 15 ألف متر مربع، واحتضن قلاعًا قديمة وأجنحة بين أسواره، وأربعة أبراج كانت أهم ما ميزه، وبصفة يومية كانا الملك عبدالعزيز ومن بعده سعود يزوران القصر، ويقضيان أوقاتًا طويلة لممارسة مهام الحكم.

ليس الحكم وحده الذي كان يدار من خلال القصر وفقًا لـ “الوطن”، بل اهتم بالعلم، فكان يضم خزانة الكتب المطبوعة والمخطوطة، التي كانت توزع على طلبة العلم مجانًا، إضافة إلى مكتبة الملك عبدالعزيز والتي كانت تضم نوادر المخطوطات التي ورثها الملك عن آبائه وأسلافه، وما كان يهدى للملك من كتب قيمة أو يشتريها بنفسه، وكذلك اهتم القصر بالمناسبات الاجتماعية، فكانت تقام احتفالات لختم القرآن وعيدي الفطر والأضحى.

ولى الملك فهد بن عبدالعزيز أهمية خاصة للقصر، فأعاد بنائه في موقعه على أرض مساحتها 11 ألف متر مربع، في إطار برنامج تطوير منطقة قصر الحكم، الذي أشرفت عليه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، واستلهم تصميمه أثناء إعادة بنائه من عمارة الرياض التقليدية، فضم جزئين جنوبي يضم 4 أبراج ضخمة وحصينة، وبرج خامس في الوسط يعد بمثابة مصدر الإضاءة والتهوية للأفنية والمكاتب تحته، إلى جانب عدد كبير من الأفنية واسعة المساحة.

وكعمود فقري للرياض، شهد القصر مبايعة ملوك السعودية واحدًا تلو الآخر، بدءًا من الملك سعود بعد وفاة الإمام الموحد، ومن بعده الملك فيصل والملك خالد والملك فهد، كما شهد مبايعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، خادم الحرمين الشريفين، أيضًا شهد مراسم بيعة الملك سلمان بن عبدالعزيز، ملكًا للبلاد، وولي عهده الأمير مقرن بن عبدالعزيز، بعد وفاة خادم الحرمين الشريفين.

زر الذهاب إلى الأعلى