جاسر الجاسر: نسبة البطالة زمن النبوة

جاسر الجاسر-الحياة.. فعلاً البطالة من سنن الكون الثابتة، فمثلاً كان الصيادون البدائيون يتحوّلون إلى عاطلين حين تختلف رماحهم مع مواسم هجرات السمك. كان المزارعون يفقدون دخلهم السنوي إذا عصفت بهم موجة جفاف أو غمرت أمطار حقولهم.

كان البحارة يفقدون عملهم إن غرقت سفينتهم أو هاجمها القراصنة. كانت الحروب منذ بدء نشأتها تزيد عدد العاطلين، لأنها تحجب سبل التجارة وتقطع الممرات. في حالات السلم والاستقرار، تتحوّل الجيوش من قدرة عسكرية إلى جيوش من العاطلين. التاريخ يؤكد ذلك كله، إلا أن الفرق أنه لم تكن لدى المجتمعات حينها أدوات لقياس نسبة البطالة، لأنها لا تحسب قوة العمل أصلاً، ولا تكون العودة إلى ذلك سوى إعلان تنازل عن كل معطى علمي مكتسب.

ربما جاز القول عند بعض المخططين، إن «أهل الصفة» كانوا حالة البطالة في مجتمع المدينة، وتباين أعدادهم من وقت إلى آخر يمثّل التغيّر في نسب البطالة بحسب طرق المعالجة وتنوّع الفرص.

الفرق بين اليوم والأمس هو استقراء كل حالة، ورصد بياناتها، ودرس انعكاس تأثيرها في الحالة الاجتماعية، والبحث عن معالجات لها. ووفق معلوماتي، فإن وزارة التخطيط لا تنافس أقسام التاريخ في الجامعات، ولا تضمّ إدارة للرصد التاريخي، لأن منشأها وسبب وجودها هما أن تتعرف الى مشكلات اليوم، وتسعى إلى أن يخلو المستقبل منها. لا يجب أن تكون عين وزارة التخطيط خلف رأسها، لأن نظرتها أمامية، فهي مرشد يُبعد المجتمع عن الفخاخ، ويسدّ الفجوات، ويطرح حلولاً للمشكلات. هي الوزارة التي تُعبّد الطريق، وتبني السكك الحديد حتى تمضي التنمية وفق مسارات ثابتة وواضحة، فلا يكون تعثّر أو تأخير، فإن خالفت ذلك أصبحت للتاريخ وزارة.

أمران يتعب السعوديون في معرفة وجودهما الحقيقي: نسبة الإصابة بالسكري وعدد العاطلين، فيومياً تصدر معلومة تنقض أختها أو جهة تكذب زميلتها، فلا يكون ثمة حلّ أو انفراج ما دامت نقطة الانطلاق ضائعة وتائهة، والمعلومة تتراجع من أجل السردية التاريخية.

بعض المؤسسات تجتزئ المعلومات لتنقية سجلها، فإذا أرادت خفض نسبة البطالة استبعدت النساء من القوائم، وإذا رغبت في مزيد من الترويج انحازت إلى بطالة الشهادات المتخصصة والعليا.

مَنْ الحَكم بين مصلحة الإحصاءات العامة ووزارة التخطيط في نسب البطالة، والفارق بينهما يفوق النصف؟ وعلى أي أساس تُبنى خطط محاصرة البطالة؟ والى من تستمع «العمل» وهي تتوافر على برنامج تأهيل لدخول سوق العمل يستنزف خزانة الدولة؟

التاريخ ممتع وله جاذبية، لكنه لا يحل مشكلة ولا يمنع سيارة من دون كوابح من الاصطدام بالجدار، وكل ما يمنحه حالة تبرير تشي بأن المشكلة ستنمو وتتضخم ولن تصغر، خصوصاً إن كان حجمها الفعلي مجهولاً.

من يقرأ عن «أهل الصفة»، سيتعرف الى تجربة نادرة في المسؤولية الاجتماعية والمعالجة الشاملة عبر توظيف المهارات وتنويع الفرص، فإن كانت النظرة إلى التاريخ طاغية، فلماذا تختفي الاستفادة الحقيقية من تجاربه، أم أنه مجرد نصوص؟

لن تتراجع البطالة ما دام الخلاف حول كتلتها مشتعلاً، وسيغتال الجدل حول المعلومة الأكثر صحة كل جهد عملي، متقنعاً بمظلة «حافز» الساترة، فتتراجع النسب من دون وجود حل فعلي.

زر الذهاب إلى الأعلى