الخليفة أردوغان أمام محكمة ضمير الإنسانية

جوزيف بشارة-إيلاف.. في الوقت الذي يدّعي فيه العالم خوضه الحرب ضد التطرف والإرهاب، تبدو الجهود المبذولة والتي بذلت خلال الثلاثة عقود الماضية غير مكتملة وغير متكاملة، ما أفضى إلى فشل الحرب، فضلاً عن تحقيق التطرف والأرهاب نجاحات عديدة في مناطق مختلفة من العالم.

من أهم أسباب فشل الحرب على التطرف والإرهاب أولاً: التعامل بمعايير مختلفة مع الأحداث، كل حدث حسب موقعه الجغرافي وأطرافه، ثانياً: غض الطرف عن منابع وأصول الفكر المتطرف والاكتفاء بمواجهة الظواهر والأعراض، ثالثاً: تغليب المصالح الفردية أو الخاصة على المصالح الجماعية او العامة، رابعاً: انعدام المعرفة الواضحة والفهم الصحيح لخصائص التطرف والأهداف الحقيقية للمتطرفين، خامساً: وجود قادة دوليين من ذوي الأجندات المريبة كالرئيس التركي الطيب أردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، سادساً: عدم وجود شخصيات سياسية دولية ذات وزن وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية لمواجهة تلك الأجندات.

من بين الأسباب المذكورة يعد الدور الذي تلعبه الأجندات المثيرة للاستغراب لقادة دوليين، كإردوغان وأوباما وبعض القادة العرب، أبرز الأسباب التي أدت إلى فشل الحرب على الإرهاب لأن القادة هم من يضعون الخطط ويحددون المعايير وهم من يغضون الطرف عن منابع وأصول الإرهاب، وهم من يُغَلّبون المصالح الخاصة على المصالح العامة، وهم من يخدعون الرأي العام، وهم من تنعدم لديهم الرؤية الواضحة والفهم الصحيح والأهداف الحقيقية للإرهاب.

من بين القادة المذكورين يعد الطيب إردوغان الأكثر تأثيراً على مجريات الأمور في الشرق الأوسط وبخاصة في ما يتعلق بمسألة جماعات الإسلام السياسي. منذ ظهر إردوغان على الساحة السياسية، لم يعد خافياً تطرفه الفكري الذي تعود جذوره إلى منهج تنظيم الإخوان المسلمين. كما ظهر بوضوح طموحه الكبير في إعادة تأسيس الدولة العثمانية الكبرى ومن ثم الخلافة الإسلامية.

سعى إردوغان لتنصيب نفسه زعيماً لمسلمي العالم، فأقام شبكة علاقات واسعة مع الدول الإسلامية وعدد من الحركات الإسلامية حول العالم. كان حلم إردوغان أن تقوم في المنطقة أنظمة إخوانية تسير على نهجه وتُنَصِّبه خليفة للمسلمين. عمل إردوغان، بتشجيع من أوباما، على تشجيع ثورات داخلية ضد الأنظمة الشمولية في المنطقة، فقام بتحفيز تلك الحركات وغيرها على التمرد ضد النظم الحاكمة في بلادها. لهذا كان إردوغان أحد الأذرع الخفية وراء الأحداث التي وقعت في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا في نهايات عام 2010 وبدايات عام 2011.

مارس إردوغان الضغط النفسي والمعنوي على قادة الدول التي اندلعت بها تظاهرات منادية بالتغيير. بالنسبة لمصر، كان إردوغان المسئول الدولي الأول الذي طالب الرئيس الأسبق حسني مبارك بالرحيل عن السلطة، وهو المسئول الدولي الأبرز الذي دعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر خلال التظاهرات التي أجبرت مبارك على الرحيل، ويضاف إلى ذك أنه مارس ضغوطاً هائلة لسحب دعم المجتمع الدولي لمبارك.

تكرر نفس الأمر في ليبيا حين قامت جماعات معارضة مسلحة بطرد معمر القذافي من السلطة ومطاردته في مدن وقرى ليبيا، وقد اشترك إردوغان في العملية المسلحة الدولية لإسقاط القذافي. وفي سوريا، شن إردوغان حرباً إعلامية ومعنوية مسعورة على نظام بشار الأسد لإجباره على الرحيل، وحين عجز عن الوصول إلى هدفه بالوسائل المعنوية قام بتشجيع حركات التمرد المعارضة للأسد والتي انقسمت وتفتتت وأسفرت عن تنظيمات إرهابية كالدولة الإسلامية والنصرة. لم يتوقف اردوغان عند هذا الحد، لكنه مضى في تجاهل مسألة تدفق إرهابيين من كل أنحاء العالم إلى سوريا للجهاد ضد الأسد.

رغم كل جهود إردوغان إلا أن حلمه بإحلال الأنظمة الأتوقراطية والدكتاتورية في بلدان الشرق الأوسط بأنظمة إخوانية جهادية موالية لم يعط النتائج التي كان ينتظرها. فشل الحلم الإردوغاني في سوريا وليبيا واليمن الذين انزلقوا في مستنقع الحرب الأهلية. اختلف الأمر قليلاً في تونس ومصر حيث كانت هناك بوادر نجاح للإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى قمة السلطة التنفيذية والتشريعية في البلدين.

غير أن الحلم الغردوغاني سريعاً ما تبخّر في البلدين أيضاً. في مصر اكتشف المواطنون ألاعيب الإخوان وولاءهم لمشروعهم الإردوغاني، فانقلبوا عليهم وأزاحوهم عن الحكم بثورة شعبية ساندها الجيش الوطني. أما تونس فقد تجرع فيها التونسيون الأمَرّين خلال السنوات الثلاث التي تولى فيهما إخوان حزب النهضة السلطة، وأزاحوهم عن السلطة في انتخابات لم يكن أمام حركة النهضة فيها إلا الإنصات لصوت العقل والشعب خوفاً من تكرار السيناريو المصري.

كانت هزيمة إردوغان في تحقيق حلمه كالطعنة القاتلة له، لكنه لم يكف عن محاولاته اليائسة. ظهر إردوغان كالثور الجريح الذي يسعى لإنقاذ حلمه بأية وسيلة، فاستمر بدعم فصائل المتمردين في سوريا، وقاد حملة لدعم نظام الإخوان المخلوع في مصر الذي يحارب الدولة، وسعى لعزل مصر وقيادتها الوطنية التي حلّت محل نظام الإخوان، ولكن من دون نجاح. أما في ليبيا، فقد استمرت الجماعات المتطرفة التي كانت تلقت أسلحة وعتاداً من التحالف الدولي، الذي ساعد في إسقاط القذافي والذي لعب فيه إردوغان دوراً بارزاً، في اتخاذ الأراضي الليبية مرتعاً لها.

المعطيات التي نراها ونسمع عنها اليوم بشأن التطرف والإرهاب تقود إلى برهان واحد فقط وهو أن قادة دوليين يتحملون مسؤولية ما يحدث اليوم في المنطقة والعالم من عدم استقرار وانتشار لجماعات العنف التي تتخذ من الإسلام ستاراً لأنشطتها الإجرامية. لم يكن لتنظيم الدولة الإسلامية أن ينتشر بقوة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء ما لم يتلق الدعم الدعم اللوجستي اللازم لعملياته من جهات دولية ذات نفوذ.

ولم يكن لجماعة الإخوان المسلمين أن تمارس إرهابها في مصر لو لم تعتمد على سند قوي لها، ولا يوجد من يقبل بالإخوان ويتفاوض معهم حتى اليوم سوى إردوغان (الذي يحمي عدداً من قادة الجماعة في بلاده) وأوباما وتميم. لم يكن للجماعات المتحاربة في ليبيا أن تبلغ هذه الدرجة المخيفة من العنف ما لم تجد ما تحتاجه من دعم. ولا يبدو أن تحالف إردوغان-أوباما سيتوقف رغم كل الكوارث التي خلفها، إذ وقعت تركيا الأسبوع الماضي اتفاقية مع الولايات المتحدة لتسليح وتدريب جماعات مقاتلة في سوريا بتكلفة تبلغ نصف بليون دولار.

ليس هناك شك في أن الطيب إردوغان يتحمل جزءاً كبيراً من مسئولية فشل الحرب على الإرهاب. أراد إردوغان في البداية أن يكون خليفة للمسلمين، لكنه سلك طريقاً جعل منه خليفة للمجاهدين الذين يجري تدريبهم وتسليحهم في سوريا. من المؤكد أنه لم يكن لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي أن ينتشر في سوريا والعراق بهذه القوة لو أن تركيا ودول أخرى كانت حريصة ومدققة في توجيه الدعم للفصائل السورية المتمردة. لم يكن لألاف المجرمين والإرهابيين متعددي الجنسيات الذين يلتحقون بالدولة الإسلامية أن يدخلوا سوريا والعراق لو أغلق إردوغان حدود بلاده مع البلدين ومنع دخولهم منها إلى الأراضي السورية والعراقية.

من مساوئ الزمان الذي نعيشه أن يحكم عالمنا قادة من أمثال إردوغان. لكن الرئيس التركي، أحد المسؤولين بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن انتشار التطرف، حتماً سيقف مدانا أمام ضمير الإنسانية يوماً ما. لن يقف إردوغان وحده في قفص الإدانة، سيقف معه كل من يسانده ويؤيده، بل وكل من لا يعمل على إيقاف حلمه الإخواني. سيكون على رأس أولئك بالطبع باراك أوباما و المتحالفين وبعض العرب.

إردوغان لا يكتفي اليوم بإحالة بلاده إلى وكر للفكر الإخواني الشرير، لكنه في ما يبدو يريد للتطرف أن يستشريا في كل دول المنطقة. إردوغان يستمد نهجه من التاريخ العثماني الحافل بالبشائع والكوارث الإنسانية، والذي لا يكف الرجل عن الافتخار به. وبدلاً من أن يعمل إردوغان على إصلاح أخطاء الماضي كمحرقة الأرمن وغزو قبرص واضطهاد الأكراد والمسيحيين نجده يستبدل أفضل سمات التاريخ المعاصر، وهي الدولة العلمانية، بالدولة الدينية.
من العار أن يسمح العالم لأشخاص يدعمون التطرف بالاستمرار في لعب دور المخرِّب.

على العالم، إن كان جاداً في محاربة الإرهاب، أن يحاسب عددا من القادة الدوليين المسؤولين عن دماء كل ضحية بريئة سقطت في المنطقة وحول العالم في السنوات الأربع الماضية على أيدي إرهابيي الدولة الإسلامية والإخوان المسلمين والإرهابيين الموالين لهم والجهاديين المتعاطفين معهم.

زر الذهاب إلى الأعلى