جاسر الجاسر: زمن المسيار أم سلطة النساء؟

جاسر الجاسر-الحياة.. يوماً بعد آخر، يختل توازن الجنسين في سورية والعراق وليبيا واليمن والسودان، بسبب عمليات القتل اليومية التي تستهدف الشباب، حتى أصبحت بعض الأسر والمناطق مجرد تجمعات للنساء والأطفال. في الغرب، يتناقص عدد الرجال وتقلّ نسب الولادة كأن الرجال يتعرّضون لعملية تبخير مستمرة.

كثير من المجتمعات عارضت التعدّد وإن كان جزءاً من عقيدتها لكنه سيغدو ضرورة لا خياراً، وحاجة إلى التوازن الاجتماعي، وسداً للنقص في عدد الذكور. الحاجة المالية الناتجة من الضعف والعجز وغياب الموارد، ستنعش الزواجات العابرة للزمن، الكاسرة لمعنى الأسرة ودلالتها مثل المسيار والمسفار، ولعلّ الظروف القائمة ومخيمات اللاجئين المتفّشية ستنتج مسميات جديدة للزواجات الآنية، تتّفق مع الحالة المستحدثة وتعبّر عنها.

هذا الوضع القاتم إنسانياً في أحزانه وشتاته وضياعه، هو البوابة المثلى لمبتكري سبل المتعة الفورية المتلفعة بمضامين مواساة الحزينات والمقهورات، خصوصاً إن كن جميلات وصغيرات السن معزولات من كل حماية تضمن حقوقهن أو تشي باستقرارهن، فلا ثمة أسرة ولا منعة ولا قانون لأن شروط المعيشة الصعبة هي الخيار، فيكون الزواج في صوره اللحظوية حصانة ظاهرية وطمأنة نفسية قبل الانجراف الكلّي والضياع الكامل.

الراغبون في التعدّد سيجدون مهر المرأة أرخص من وجبة عشاء، والخلاص منها أهون مما عداه، أما الخيارات فهي عريضة وواسعة، خصوصاً إن كان من أهل البلد.

في كل الكوارث المماثلة تكون الحياة للنساء والموت للرجال، فلا خيار سوى التنازل عن المعايير والشروط، وتبدل الزواج من بناء أسرة إلى سد لقمة العيش والبحث عن مأوى، حتى إن اقتضى الأمر مزيداً من الشتات والبعد.

المرأة في هذه الظروف تعيد التوازن الاجتماعي لأنها مصدر الخصوبة والإنتاج، فيكون بقاؤها فرصة للترميم مهما كانت طبيعة الحياة قاسية، وهي تبدل كثيراً من القوانين القائمة على رغم ضعفها وعجزها، فحين تنسحب غيوم الحرب ويبقى الخراب والأرض الجائعة للري والبذر، تكون يداً عاملة لا غنى عنها، ويصبح عملها ضرورة وإن كان سُخْرَة، إلا أن مكاسبها في التفرّد برجل واحد تختفي بسبب مقتضيات الأعمال الحرفية التي لا تعرف ترف الزوجة الواحدة والابن الواحد.

الحكومات الوليدة بعد انتهاء فورة الفوضى، سيكون همّها تشجيع التعدد وتسهيل متطلباته، أما المفارقة الكبرى فهي أن النساء قد يحكمن المجتمعات الناجية إن سلكت دروب الانتخاب والبرلمانات، فهن الصوت الأعلى والأكثر كثافة، فالرجال هم الأقلية على رغم السطوة الظاهرة.

العنوسة حالة كارثية تتوسّع كلما طال أمد الحرب وارتفعت إحصاءات القتلى، فهل ستنجح العوانس والأرامل في تبديل القاعدة التاريخية التي تجعل منهنّ حوض خصوبة، ليؤسسن مجتمعات نسوية في عالم ذكوري بحت، لتكون الحرب بوابتهن إلى السلطة بعد أن مرغهن الشتات والضياع؟

Exit mobile version