سنغافورة .. الحياة بعد لي كوان يو

في مذكراته التي نشرت قبل عامين من وفاته، كتب لي كوان يو بواقعية قاتمة حول ما إذا كان يعتقد أن سنغافورة ستبقى موجودة بعد 100 سنة.

قال الرجل الذي كان له الفضل في بناء الدولة المدينة، التي شكلت معجزة اقتصادية آسيوية لم يسبق لها مثيل في حجمها في القرن العشرين “أنا لست على يقين من ذلك”.

وكتب لي، الذي توفي عن 91 عاما الأسبوع الماضي “أنا واثق تماما أنه إذا حصلت سنغافورة على حكومة غبية، فإننا نحن من يجعلها كذلك. وستغرق البلاد في العدم”. وكان يسلط الضوء على الخوف من أن السنغافوريين قد يختارون في يوم ما قادة من خارج حزب العمل الشعبي التابع له، الذي حكم البلاد بصرامة منذ الاستقلال قبل نصف قرن من الزمان.

ومن الصعب التوفيق بين هذا التحليل المتشائم ورجل كانت قيادته وطاقته، بمفرده تقريبا، مسؤولتين عن تحويل ميناء بريطاني استعماري صغير وفقير في جنوب شرقي آسيا إلى جزيرة تعتبر الآن أحد المراكز المالية العالمية الأسرع نموا في العالم.

لكن النجاح الاقتصادي في سنغافورة يحجب تيارا من التغيير السياسي والاجتماعي الذي سيكون من الصعب تجاهله في الوقت الذي تتعامل فيه أمة الجزيرة الصغيرة مع الحياة بعد غياب الأب المؤسس بحسب “فاينانشيال تايمز”.

يقول يوجين تان، أستاذ القانون في جامعة سنغافورة للإدارة “السؤال الذي يسأله بعضهم هو ما إذا كان سيستمر ما استحدثه في الازدهار بدونه”. ويضيف “نظام الحكم سيستمر، لكن سيتعين عليه التكيف لتلبية الحقائق المتغيرة”.

كان يبدو أن عددا قليلا من السنغافوريين هم الذين يفكرون في هذه المصطلحات في الوقت الذي اصطفوا فيه بعشرات الآلاف للحصول على فرصة لتقديم تعازيهم إلى لي، الذي وضعت جثته في مبنى البرلمان قبل جنازته.

ليو شين يي (20 عاما) لم تكن حتى قد ولدت عندما تنحى لي عن منصبه رئيسا للوزراء في عام 1990 لكنها كانت من بين المعزين. تقول “على الرغم من أنني لم أرَ حقا كل التحولات التي أنجزها لي كوان يو. حقيقة إنني هنا ولدي الغذاء والماء والتعليم، أعتقد أنني مدينة بكل ذلك له”.

lky

المعجزة الاقتصادية

في السنوات الـ 50 التي انقضت منذ استقلال سنغافورة، تفوقت البلاد على كثير من البلدان الأخرى ضمن مجموعة من المقاييس.

هي ليست سوى الاقتصاد العاشر الأكبر في آسيا، لكنها رابع أكبر مركز مالي في العالم – بعد نيويورك ولندن وهونج كونج ـ وتعتبر الميناء الأكثر ازدحاما بعد شنغهاي، ولديها واحد من أنظف القطاعات العامة في العالم، وفقا لمؤشر الفساد السنوي لمنظمة الشفافية الدولية. وتتباهى بالتوظيف الكامل تقريبا، كما أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ أكثر من 56 ألف دولار، ما يقزم جارتها ماليزيا ويضعها بالضبط أمام إيرلندا، التي لديها عدد سكان مقارن.

صورة سنغافورة باعتبارها دولة صغيرة سلطوية ذات سلوك أخلاقي مستقيم – حيث مضغ العلكة محظور والرسم على الجدران في الأماكن العامة يعاقب عليه القانون بالضرب بالعصا – شكل صورة كاريكاتورية للدولة المدينة في جميع أنحاء العالم، باعتبارها دولة لها جذورها في التسلط الأبوي للي كوان يو.

لكن نفوذ لي فتر في السنوات التي تلت خروجه من مجلس الوزراء عام 2011. وكان ذلك هو العام الذي سجل فيه حزب العمل الشعبي الحاكم، الذي أسسه عام 1954، أسوأ نتيجة انتخابية له على الإطلاق، على الرغم من أنه فاز بنسبة 60.1 في المائة من الأصوات ولا تزال تسيطر فقط المعارضة على ستة مقاعد من أصل 87.

في إطار تولي ابنه، لي هسين لونج، الذي انتخب رئيسا للوزراء في عام 2004، لان الحزب في بعض النواحي، مع أن مضغ العلكة لا يزال محظورا.

مصممة جرافيك شابة رسمت رسائل استفزازية على مصابيح أحد الشوارع قبل عامين – أطلق عليها اسم “سيدة الملصق” – أطلق سراحها بعدما تراجعت الشرطة عن توجيه تهمة التخريب لها. ومن غير المرجح أنها كانت ستكون محظوظة جدا في أيام الأب لي. وفي عام 2012 خففت الحكومة عقوبة الإعدام لتهريب المخدرات وبعض حالات القتل.

والسؤال في سنغافورة الآن هو: ما إذا كانت وفاة الأب لي ستكشف عن وجود رغبة من جانب القيادة الحالية للعمل بشكل أكثر جرأة. ربما من خلال تحرير وسائل الإعلام أو تبني المطالب التي تنادي بمزيد من التعددية السياسية، التي يمكن أن تنجح في مسعاها قبل الانتخابات المقررة بحلول كانون الثاني (يناير) 2017.

ويعتقد بعضهم أنه يمكن أن تكون هناك أيضا مناقشة أكثر انفتاحا في الجوانب المظلمة من حكمه، بما في ذلك استخدام قانون الأمن الداخلي للحقبة الاستعمارية – الذي لا يزال معمولا به بصفة رسمية – واعتقال المعارضين السياسيين دون محاكمة. وقد برر هذا بأنه ثمن يستحق الدفع لتحقيق الازدهار والنظام ويسمح لثلاث مجموعات عرقية رئيسية في سنغافورة – الأغلبية الصينية والملايو والهنود – بالتعايش معا بصورة سلمية.

نادرا ما تردد لي في استخدام قوانين مكافحة التشهير الصارمة في سنغافورة، التي تصر المعارضة على رفعها، للتحرك ضد من كان يعتقد أنهم تجاوزوا الحدود، بما في ذلك أولئك الذين عارضوا حزب العمل الشعبي.

عالم ما بعد لي

تومي كوه، سفير سنغافورة السابق لدى الأمم المتحدة، يعتقد أن هذا البلد كان “في عالم ما بعد لي كوان يو” منذ فترة، لدرجة أن وفاته لن “تعرض مستقبل سنغافورة للخطر”.

لكن قلق لي من “الحكومة الغبية” يشير إلى قلق وجودي يعانيه الآن حزب العمل الشعبي: كيفية الحفاظ على النظام الذي يعتمد على نخبة من المتعلمين تعليما عاليا، الذين تمكنوا على مدى عقود من الزمن من التعويل على ثقة السكان وإدارة سنغافورة دون مشكلات.

الجيل الحالي من القادة لا يلهم المستوى نفسه من الثقة. ويعتقد بعض المحللين أن هذه القضية جاءت في الوقت الذي تواجه فيه الدولة المدينة تحديات اقتصادية وضغوطا من قطاعات السكان المختلفة من أجل حرية سياسية أكثر.

مايكل بار، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات الدولية في جامعة فلندرز في أستراليا، يقول “كان لدى لي كوان يو مجموعة رائعة من الناس من حوله، لكن كان لديه أيضا حس سياسي”. ويضيف “كان لديه ذلك بصورة فائقة بطريقة لم تكن لدى زملائه، وخلفائه”.

وفي “رسالة مفتوحة” لرئيس الوزراء العام الماضي، قالت كاتبة محلية، هي كاترين ليم، في حين إن الحكومة الحالية بذلت “جهودا كبيرة لتحسين حال كثير من الناس”، لا يزال هناك “عجز في الثقة” بين حزب العمل الشعبي والسكان. في دولة حيث النقد الصريح للقيادة أمر نادر الحدوث، اعتبر حتى هذا التوبيخ المعتدل أمر يتسم بالجرأة.

ويقول سيمون تاي، رئيس معهد سنغافورة للشؤون الدولية، وهو مؤسسة فكرية “الناس يريدون نظاما أقل من أعلى إلى أسفل”. ويتابع “إنها ليست حركة مناهضة لحزب العمل الشعبي. إنها علامة على نضج متزايد وتعقيد مجتمع متنوع”.

Singapore

ضغوط متزايدة

الميثاق القديم يعتبر تحت ضغط الآن. السنغافوريون يشعرون بالضغط من ارتفاع أسعار العقارات، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط على البنية التحتية للدولة الجزيرة وسط تدفق المهاجرين الذين لا غنى عنهم لاستمرار النمو في الدولة.

ارتفاع أسعار العقارات – في جزء يغذيه وصول الأجانب الأغنياء بالسيولة، خاصة من الصين وإندونيسيا – والتوسع في الخدمات المالية، مثل إدارة الثروات وتجارة السلع، يعنيان أن سنغافورة في مرتبة بين أغلى المدن في العالم.

الجانب الآخر من ذلك هو ارتفاع عدم المساواة. سنغافورة لا تنتج بيانات عن الفقر في الدولة، لكن ينظر إلى الفجوة بين أغنى الناس وأفقرهم على أنها في تصاعد. هذا التفاوت يضغط أيضا على أولئك الذين علِقوا في الوسط.

لينكولن وانج (32 عاما)، وهو مدير تطوير أعمال، وزوجته، لينيت، البالغة من العمر 29 عاما، التي تعمل في تداول السندات في سيتي بانك، يتقاضيان بصورة مشتركة عشرة آلاف دولار سنغافوري شهريا (7300 دولار أمريكي). وهما يعيشان في شقة ضمن المستوى المطلوب مكونة من ثلاث غرف نوم في سن مينج، وهي منطقة الشمال من وسط المدينة.

لكن، كما يقول، بمجرد أن يدفعا 20 في المائة من راتبهما لصندوق التقاعد الذي تديره الدولة، وصندوق الادخار المركزي، والقرض العقاري لديهما، وقروض السيارة، فإنهما ليسا واثقين بما فيه الكفاية، ماليا، ما إذا كان بإمكانهما تكوين أسرة. ويقول “من الصعب ذلك بسبب ارتفاع التكاليف. إذا كنت تريد أن يكون بمقدورك أن تقدم ما هو أفضل من أجل طفل، فإن ما لدينا في الواقع ليس بكثير”.

مثل هذه القرارات تفاقم انخفاض معدل المواليد، المنخفض في الأصل بشكل مزمن في بلد تتسارع فيه الشيخوخة بين السكان مثل اليابان.

استجابة حكومية

بعد أن اكتوت الحكومة بنتيجة الانتخابات عام 2011، استجابت إلى الشواغل الاجتماعية المتزايدة. وكشفت النقاب في الشهر الماضي، في الوقت الذي كان فيه الأب لي يرقد في المستشفى، عن ميزانية كانت الأكثر تطرفا منذ سنوات عديدة. ويمثل هذا تحولا واضحا نحو الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لمعالجة عدم المساواة في الدخل ووضع أولوية أقل على النمو الاقتصادي وحده.

كانت الزيادة في أعلى معدل الضريبة الهامشي من 20 في المائة إلى 22 في المائة – مفروضة على أغنى 5 في المائة من السكان – هي أول ارتفاع من نوعه منذ عدة سنوات. ومن بين التدابير الأخرى تقديم دعم أكثر سخاء للمتقاعدين، وحسومات ضريبية للطبقة المتوسطة، وزيادة بنسبة 30 في المائة في الإنفاق على الرعاية الصحية إلى 9.3 مليار دولار سنغافوري.

في الوقت نفسه من المتوقع للإنفاق على البنية التحتية أن ينمو بنسبة 50 في المائة إلى نحو 30 مليار دولار سنغافوري، أي 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول نهاية هذا العقد، صعودا من 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية المقبلة.

يقول تاي “علينا أن نأخذ هذه الميزانية على محمل الجد: إنها إشارة إلى التغيير المجتمعي والحكومة تبين أنها تستمع إلى الناس”. ويتابع “نحن نقدم أساسا عقدا اجتماعيا جديدا لمساعدة شريحة أوسع من المجتمع”.

وحذر بعض النواب من الحزب الحاكم من أن الإنفاق هدد الحصافة المالية، لكن لم تكن هناك ثورة ضد التحول. “هل سنفقد الديناميكية الاقتصادية لدينا، وسرعان ما ننحدر إلى الحالة المزرية التي وجدت بعض الدول الأوروبية نفسها حاليا فيها؟” سأل ليانج إنج هوا، وهو نائب عن حزب العمل الشعبي والمدير الإداري لـ DBS، أكبر بنك في سنغافورة من حيث الأصول.

الطبقة العاملة

في حي الطبقة العاملة في – معقل حزب العمال المعارض – السيدة تان، التي رفضت ذكر اسمها الأول، تقول “إنها تكسب ثمانية دولارات سنغافورية في الساعة (5.70 دولار أمريكي) من تنظيف الطاولات في مطعم قريب”. زوجها، وهو تاجر سيارات مستعملة في السابق، لم يعمل منذ سبع سنوات.

إنها لا تعتقد أن الكثير سيتغير حتى يظهر جيل جديد من القادة. وتقول “فئتي العمرية أحبت لي كوان يو كثيرا. نحن بحاجة إلى بضع سنوات أخرى لنرى كيف تتطور القيادات الشابة”.

وأشار رئيس الوزراء، الذي يبلغ من العمر 63 عاما، إلى أنه لا يعتزم البقاء في منصبه لمدة أطول من ذلك بكثير، على الرغم من توقعات بخوضه الانتخابات المقبلة. ومع أنه يفتقر إلى كاريزما والده والغريزة السياسية التي لا ترحم، إلا أنه أظهر درجة عالية من الكفاءة، وأنه زعيم محترم بصورة عامة، وأن أسلوب حكمه يمكن ألا يكون مختلفا تماما عن الأسلوب الاستبدادي الصارم لوالده.

يقول إرنست باور، المختص في شؤون جنوب شرقي آسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن “إنه رجل مستقل يُعتمد عليه في الحكم، ولديه القدرة والعقلية، وأعتقد أنه سيكون لديه مجال أكثر من ذلك بقليل الآن بعد انتهاء الحداد”. ويضيف “لكن أعتقد أنه سيكون زعيما انتقاليا، يبتعد عن سلالة لي باتجاه الوضع الذي يعتبر أقرب إلى السياسة الطبيعية”.

لي، الذي يعتبر مستخدما متعطشا لـ “تويتر” و”فيسبوك”، استخدم في العام الماضي قانونا يبلغ عمره عدة عقود لرفع دعوى قضائية ضد أي مدون في حالة توجيهه انتقادات شرسة عبر وسائل الإعلام الاجتماعية. لكنه يبدو مصمما على إشراك الجمهور.

الجيل التالي

ومع ذلك، يقول بوب برودفوت، المدير الإداري لـ “مستشارية المخاطر السياسية والاقتصادية” في هونج كونج، “لا توجد علامات واضحة حتى الآن على الشخص الذي قد يحل محله”. ويتابع “لا تزال الحكومة في حاجة إلى جلب دماء جديدة من أجل خلق ثقة بنظام لديه القدرة على استمالة أجيال من القادة في المرحلة المقبلة”.

وتوجد حتى تلميحات إلى أن عناصر ليبرالية في حزب العمل الشعبي يمكن في النهاية أن تتجرأ وتنشق عن الحزب وتعمل مع المعارضة.

يقول تان “هناك هذا التصور الذي يقول إن احترامهم له (لي كوان يو) بعض التغييرات لم يتم طرحها على الرغم من أنها قد تكون ضرورية”. ويضيف “لكن أرى أن التغيير سيكون تدريجيا بسبب أن القيادة الحالية تعتقد أنه إذا كنت تريد إجراء تغييرات، ولا سيما على مستوى الأنظمة، تحتاج إلى ملاحقتها خطوة خطوة”.

رئيس الوزراء، في صدى لخطاب “بناء الأمة” لوالده، قال في الفترة الأخيرة “إن السنغافوريين يجب ألا يستسلموا للوقوع في مستوى الأداء الذي يقع دون المتوسط”. وأضاف “ليس من الجيد بالنسبة إلى سنغافورة أن تكون بلدا عاديا”.

وهذا ربما يقتضي من زعماء سنغافورة الإقدام على بعض المخاطر من أجل ضمان أن تبقى هذه الجزيرة الصغيرة على قيد الحياة خلال السنوات المائة المقبلة.

في الفترة الأخيرة كتب المؤلف، كيشور محبوباني، يقول “إن هناك حاجة إلى ثقافة الإقدام على المخاطر من أجل ضمان قابلية البقاء على الحياة على الأمد الطويل لهذه الدولة المدينة.

لأن ذلك سيقيم الدليل على أن (اتخاذ المخاطر) ليس مقصورا فقط على جيل الآباء المؤسسين لسنغافورة. بدلا من ذلك، سيبرهن على أن هذا التوجه موجود أصلا ضمن البنية التركيبية لسنغافورة”.

زر الذهاب إلى الأعلى