فاينانشال تايمز| الفيدرالية .. المستقبل الوحيد لاستمرار وحدة الكيان البريطاني

هنالك شيء بنكهة “أبل” حول الحزب الوطني الإسكتلندي. تستند الشركة الأكبر في العالم من حيث الرسملة السوقية، بزيادة أو نقصان تصيب شركة إكسون موبيل، إلى كومة نقدية ضخمة. وهي توجه أذواق وأنماط حياة مئات الملايين من الناس. مع ذلك يظل الزبائن يشعرون أنهم يعملون بشكل أصيل، وحتى متعدٍ، عن طريق شراء الأجهزة التي تصنعها الشركة.

إن مزج الانتشار الواسع والتمايز، وأن تكون رمزا وثائرا، يعد أمرا فيه بعض المفخرة. الحزب الوطني الإسكتلندي ينفذ تلك الاستراتيجية نفسها يوميا في مساحته. يدير الحزب إسكتلندا منذ عام 2007، وكان يحكم وحيدا لنصف ذلك الوقت.

وعلى الرغم من رفض الإسكتلنديين للاستقلال في سبتمبر الماضي، إلا أنهم نفخوا أشرعة الحزب الوطني الإسكتلندي بعدة درجات منذ ذلك الحين. ارتفع عدد أعضائه بنحو مرات ليصل إلى 100 ألف شخص، واستطلاعات الرأي تقول إنه سيهزم حزب العمال الإسكتلندي بفوزه بجميع المقاعد، باستثناء عدد قليل من مقاعد البلاد في الانتخابات العامة التي ستجري في مايو المقبل. يعتبر الحزب الوطني الإسكتلندي قوة مهيمنة، وقريبا سيكون قوة احتكارية. في الوقت نفسه، يعتبر مجموعة متمردة تعمل على تحفيز الأنصار المؤيدين بأزيز التمرد.

لا تمتلك وستمنستر أي إجابة لهذا، ولقد حاولت إجراء استفتاء كان من المفترض أن “يعمل على تسوية” الأمور، إضافة إلى عمليات تفويض السلطة المتتالية لإسكتلندا. كل من لندن وإدنبره عالقة في حلقة موبيوس لا بداية ولا نهاية لها، حيث تشجع كل جولة من التفويض فيها القوميين فحسب، الذين يفوزون بعد ذلك بجولة أخرى من تفويض السلطة. مع ذلك، يعتبر البديل – حجب الصلاحيات عن إسكتلندا – أمرا استفزازيا لا يمكن تصوره.

إن الاتحاد ليس جاهزا للكويكب المنصهر الذي من المقرر أن يرتطم بنا في السابع من مايو المقبل. إن نتيجة الانتخابات الأرجح تعتبر النتيجة الأقل بقاء بالنسبة للمملكة المتحدة. إذا لم يتمكن كل من حزب العمال وحزب المحافظين من الحكم بشكل منفرد، وكان الحزب الوطني الاسكتلندي هو الحزب الثالث، أيا كان رئيس الوزراء، فلربما بات عليه لزاماً تأمين موافقة القوميين على كل قانون يقترحه.

أكرر: قد يتوقف التشريع البريطاني على حزب معارض للمملكة المتحدة، ربما يقوده في البرلمان ألكس سالموند، الذي كانت حيله وقسوته السمة الغالبة على ولايته، حين كان زعيما للحزب الوطني الإسكتلندي. سوف يستغل أي فرصة لتوجيه السياسات إلى اليسار ودفع الناخبين الإنجليز إلى الإعياء الشديد من الاتحاد – نظرا للنزعة المحافظة الإنجليزية النسبية – الذي يعتبر ذلك مثل الشيء نفسه.

لو كانت الحكومة من حزب المحافظين، ستكون مشلولة بسبب الحزب الوطني الإسكتلندي. سينقم الإسكتلنديون على الوزراء الذين ليس لديهم ولاية على بلدهم. أما لو كانت الحكومة من حزب العمال، فإن رئيس الوزراء الذي لم ترده إنجلترا، أي إد ميليباند، سيكون مدعوما من قبل حزب يدفعه بشكل متواصل عن مركز الوسط في السياسة الإنجليزية.

ثمن الدعم لسالمون- سواء أكان على شكل تحالف أو “عرض وثقة” لحكومة أقلية – قد يكون مثل حكم وطني مستقل، التي وعدت بها الأحزاب الوحدوية (ولو أن ذلك كان بشكل مشوش) في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل. عند تلك المرحلة سوف تحكم اسكتلندا نفسها في جميع المسائل باستثناء السياسة الخارجية، والدفاع، وبعض المسائل في الميزانية التي لم توضع حتى الآن، في حين أن القوانين الإنجليزية ستكون منحرفة بوضعها من قبل لجنة حزبية من نواب البرلمان، من منطقة اختصاص أخرى. وكل من يظن أن الإنجليز سيقبلون بارتداء هذا الوضع الظالم دستوريا لفترة طويلة جداً، سيكون قد قرأ عددا يفوق الحد من الكتب التي تتحدث عن الصبر الطويل المتواضع للأمة.

هناك منطق داخلي في الأحداث الآن، وسوف ينتهي به المطاف – ربما أسرع مما يغلب على ظننا – إلى مملكة متحدة فيدرالية أو شبه فيدرالية. إذا أرادت اسكتلندا أن تدير شؤونها بنفسها، فكذلك سيفعل باقي البلد.

ربما يشتمل هذا على أن يعتبر مجلس العموم برلمانا إنجليزيا، وأن يصبح مجلس اللوردات هيئة منتخبة تتعامل مع الشؤون المخصصة للمملكة المتحدة. ستكون هناك نتيجة ثانوية جيدة لذلك، وهي فرز المجلس الثاني غير الديمقراطي والمليء بالأعضاء الذين لا لزوم لهم، ليصبح مكانا ترتاح فيه الشخصيات التي أفل نجمها، التي تتصور نفسها في جمهورية أفلاطون وقد أصبحت واقعا.

في الوقت الذي يغلب فيه على البريطانيين أن يفضلوا الارتجال غير المنظم على التخطيط الديكارتي، يمكن أن يتخذ الاتحاد شكلاً سائبا قليلاً، يقرر فيه مجلس العموم أي النواب الذين يحق لهم التصويت على قوانين معينة.

سيكون المجلس خليطا من اللجان ومراحل التصويت والأغلبية المزدوجة، بما يشبه الاتحاد الأوروبي على ضفاف نهر التايمز.

من الصعب استدامة النزعة الفيدرالية من كلا النوعين. حين تكون هناك حكومة عمالية للمملكة المتحدة تتخذ القرارات النهائية بخصوص الضرائب والاقتراض، فإنها ستصطدم بحكومة محافظة لإنجلترا تتحكم في أغلبية هائلة من الناتج الاقتصادي البريطاني.

الوزير الأول الإنجليزي سيكون أقوى من رئيس الوزراء البريطاني القائد للمملكة المتحدة، مع أنه يتبع له من الناحية الاسمية. وبالنسبة للشكل الأكثر فوضوية من الفيدرالية، فإنه سيجعل الجميع – باستثناء أشد الوحدويين حماسا – يحنون ويشتاقون إلى أناقة الانفصال الصريح، على وجه الاحتمال إن لم يكن الترجيح.

ليس من الضروري أن تكون الفكرة جيدة، كل ما في الأمر أنها يجب أن تكون أقل سوءا من الفكرة المنافسة. الاتحاد غير الفيدرالي لا يستطيع الاستمرار، فهو لا يناسب طموحات اسكتلندا. كما أنه سيغش إنجلترا.

لقد صمم قبل أن تباعد البلدين من الناحية السياسية. النزعة الاتحادية، إذا كانت ستنجو من نضارة الحزب الوطني الإسكتلندي، لا بد أن تكون أكثر من مجرد تظاهر بأن إنجلترا وإسكتلندا، ليستا مختلفتين كثيرا.

زر الذهاب إلى الأعلى