فهد الدغيثر: سرطان السعودية

فهد الدغيثر-الحياة.. يطل علينا في كل عام ما يسمى «أسبوع المرور»، وهو فكرة تأسست من عقود؛ لتوعية الناس بأهمية اتباع الأنظمة أثناء القيادة، لكنها أصبحت اليوم مكررة وبليدة، وعديمة الفائدة، ولم تعد ذات قيمة، بل أصبحت مثار السخرية والتندر.

أقمت في الغربة أعواماً، وزرت مدناً عالمية ولم أسمع على الإطلاق عن أي شيء كهذا. الذي عرفته وتعلمته هناك أن السنة بأكملها «سنة مرور»، وأن اتباع النظام وملاحقة المخالفين لا مساومة عليهما في كل الأوقات. لذا فإنني ومن خلال هذه المقالة، أناشد المسؤولين في إدارات مرور دول الخليج نسيان هذه القصة المملة وشطبها تماماً من الروزنامة.

ماذا نفعل إذاً في معالجة التهور في قيادة السيارات في المملكة -تحديداً-؛ لأن معظم بقية دول الخليج هم –أصلاً- أفضل منا بكثير، وتجاوزوا هذه المعضلة منذ عقود؟

يجب أن نعترف بأن الحل اليوم ليس بهذه السهولة، فقد تعقدت الأمور، واتسعت المدن، وارتفع عدد السائقين، واعتاد الناس على الفوضى، إلى الحد الذي أصبحت عنده قيادة السيارة في مدننا بكل ما تحمله من مخالفات فاضحة، هي القاعدة، وتمثل المشهد الطبيعي، بينما اتباع النظام هو الشذوذ. الحل بعد هذا التأخر في مواجهة هذه الأزمة باهظة التكاليف مادياً وجسدياً، لن يأتي بمبادرة أو مبادرات يتصور من يضعها أن المشكلة ستحل بأكملها بمجرد التطبيق. أقول ذلك لأن هذا التوجه أصبح من عاداتنا مع الأسف، فنحن دائماً نتصور أن الخروج من الأزمات لا بد من أن يتحقق بسرعة، وإن لم نتمكن من ذلك فنستسلم من جديد للفشل.

إذا وضعنا نظام ساهر جانباً -وهو نظام رائع ومهم ويجب أن تتوسع جغرافيته ومهامه- فإن ما أتصوره شخصياً وليت الظروف تسمح لي بالتحدث مع المسؤولين عن المرور وجهاً لوجه، هو الأخذ بمبدأ التدرج في تطبيق الإجراءات التي نتفق على تطبيقها في سبيل الوصول إلى الحال المثالية في شوارعنا وطرقاتنا.

لكن قبل ذلك علينا طرح بعض الأسئلة المهمة: هل رجل المرور نفسه على علم ودراية واضحة بأنظمة السير والمخالفات التي تقع أمام عينيه؟ ما الأدوات المتوافرة التي تمكنه من الضبط وإصدار المخالفة؟ هل من الضروري واللازم أن يقبض على كل المخالفين أمامه في وقت واحد وإن لم يتمكن تنازل تماماً عن المهمة؟ ما مستوى التدريب الذي يتلقاه رجل المرور قبل أن يباشر مهمته؟ التأهيل الفني والذهني لرجال المرور برأيي في غاية الأهمية، وأكاد أجزم من خلال متابعتي واهتمامي بهذا الموضوع أن رجال المرور في المملكة ومع كامل الود والاحترام لهم، غير مؤهلين إلى المستوى المنشود القادر على مواجهة المشهد.

ننتقل إلى موضوع التدرج الذي أشرت إليه قبل قليل، والذي أجزم أن لا خيار لنا غيره. هنا نتحدث عن شقين. الأول: التدرج في تطبيق المخالفات. والثاني: التدرج في التغطية الميدانية.

المقصود في التدرج في تطبيق المخالفات، هو التركيز كمرحلة أولى على مخالفة أو مخالفتين فقط يتم ارتكابها، كتغيير المسارات المفاجئ (المراوغة) والالتصاق بالسيارة التي أمامك. نركز على هاتين المخالفتين ونزرع للنظام هيبته من خلال تحرير المخالفات بحق من يمارس ذلك. أكرر هنا ما أشرت إليه سابقاً، لا يمكننا بالطبع وفي يوم واحد إيقاف كل الذين يرتكبون هذه المخالفات، ولكن البدء بتغريم من يرتكبها ولو لم ننجح إلا في إيقاف ١ في المئة من السائقين في أي وقت معين، سيدفع الناس إلى التحدث في مجالسهم عن ذلك. وأود لفت النظر إلى أهمية تدوين رقم وأوصاف السيارة المخالفة قبل الشروع بإيقافها، إذ تتم مضاعفة الغرامة عند عدم الامتثال للوقوف. هنا يبدأ الوعي بالانتشار.

أما التدرج في التغطية الميدانية، فالمقصود منه التركيز على منطقة معينة في المدينة وتكثيف الرقابة على من يقود سيارته بداخلها. لو افترضنا طريق الملك فهد أو طريق الملك عبدالله مع ما جاورهما من طرق خدمات في الرياض كمنطقة مستهدفة، وهي طرق تعج بآلاف المخالفات وفي جميع الأوقات، فسنكسب من ذلك تدريباً ميدانياً لرجال المرور في منطقة محددة ومراقبة من جهة. من الجهة الأخرى سنشعر أن المنطقة محدودة وتحت السيطرة عوضاً عن كامل مساحة مدينة الرياض المترامية الأطراف. هذا لا يعني التنصل من مسؤولية المرور على كامل المدينة، لكننا نتحدث عن مرحلة أولى فقط ولفترة محددة.

الذي أريد الوصول إليه من هذا الاقتراح أن تحديد المنطقة يساعد على النجاح والعكس صحيح تماماً، ولاسيما ونحن نتحدث عن بيئة شبه خالية من أي تطبيق لأنظمة السير العالمية. بعد مرور فترة ستة أشهر على سبيل المثال، ننتقل إلى المرحلة التالية، أقصد بذلك رفع عدد المخالفات المستهدفة إلى أربع مخالفات وتوسيع الرقعة الجغرافية المستهدفة.

المخالفات المقصودة إضافة إلى المخالفتين المشار إليهما قبل قليل، يمكن أن تكون الدخول أو الخروج غير النظامي من الطريق الرئيس كمن يتجاوز الطابور وبقوة يضع مقدمة سيارته أمام الآخرين، ومخالفات السبر على كتف الطريق (الأصفر). هنا أصبحنا نتحدث عن أربع مخالفات مستهدفة منذ البدء في تطبيق هذه الخطة. كذلك المنطقة الجغرافية يمكن مضاعفتها. بعد نهاية الستة أشهر الأخرى ومع التصميم والعزيمة وتجنب التراخي في تغريم المخالفين سنكتشف أن عدد التجاوزات قد قل بدرجة ملحوظة، هو ما يعني حتماً نجاحنا في التنفيذ.

عام واحد، تخلله ضبط أربعة أنواع من أهم المخالفات في منطقة محددة باعتقادي كافٍ لزرع هيبة النظام من جديد، وجعل السائق يتردد ألف مرة قبل أن يمارس مراوغته أو التصاقه بالسيارة التي أمامه.

صدقوني أيها الإخوة، إن إعادة هيبة رجل المرور ستخلق فروقات هائلة في سلوكياتنا، وأيضاً أنه لا حلول سحرية لإعادة هؤلاء المجانين إلى جادة الصواب بشكل تام ومأمول إلا التدرج والهدوء والتصميم بلا تردد، ولا مفاوضات جانبية معهم بعد توقيفهم.

بعد انقضاء هذا العام المحدد مهامه، نكون قد أسسنا قدراً لا بأس به من ثقافة الانضباط، ودفعنا السائقين إلى التفكير والتأمل كثيراً، قبل أن يقدم على أي نوع من التهور مجدداً. في عام واحد سيرتفع مستوى الوعي وتقل الحوادث التافهة التي تعوق حركة السير، كملامسة سيارة لأخرى من الخلف بسبب قرب المسافة الفاصلة. بعد هذا العام ستصبح مراقبة المدينة بأكملها أهون بكثير مما نتصور اليوم.

أختتم بالتذكير بأن التغيير من سلوك إلى آخر سواءً في هذا المجال أم في أي عمل إداري، هو علم حديث يتطلب إشرافاً وتخطيطاً وبرنامج صارم من جهات متخصصة ومتمرسة به. لقد جربت ذلك في حياتي العملية في أواخر التسعينات الماضية واستوعبت أهميته. لذا فمن واجب جهاز المرور في المملكة ومع الأخذ بالمقترحات المذكورة آنفاً أو غيرها، الاستعانة بالخبراء العالميين، الذين لهم باع وخبرة في “إدارة التغيير”، ومثل هؤلاء متوافرون في كل الدول المتقدمة.

محاولاتنا الناجحة -بحول الله- لإنقاذ الوطن من سرطان فوضى السير التي نعاني منها؛ تحتاج إلى الإرادة والتصميم والعلم وتعاون كل الجهات ذات العلاقة، من أمانات المدن ووزارة النقل والصحة والإعلام، وبدعم مباشر من أعلى السلطات في الحكومة. في نهاية هذا العام العظيم أذكركم بأننا سنحتفل بتكريم أبرز من أسهم في إنجاح الخطة في حفلة مهيبة ومناسبة، وسنعلق الأرقام الجديدة والرسوم البيانية على الجدران، والتي توضح الفوارق والمنجزات التي تحققت من وراء تنفيذ هذه المرحلة.

زر الذهاب إلى الأعلى