لماذا إسرائيل بعيدة عن سهام الجماعات الإسلامية المزعومة؟

يتعرض عالمنا العربي في هذه الأيام إلى سلسلة من الحروب الطائفية التي تتصاعد بضراوة، وتهدد الوجود العربي برمته، والمؤسف أن من يشعلون هذه الحروب يرفعون شعارات إسلامية تسيء إلى ديننا الإسلامي الحنيف، وتوصمه بالإرهاب، ويأتي في مقدمة هذه المنظمات حزب الله و”داعش” وجماعة النصرة وأنصار بيت المقدس .. إلى آخر القائمة.

وعلى الرغم من أن هذه المنظمات تزعم أنها تنافح عن الإسلام، إلا أنها لم تطلق طلقة واحدة تجاه أعداء الإسلام، وها هي إسرائيل تحتل القدس الشريف من نصف قرن تقريبا، ولم تطلق جماعة أنصار بيت المقدس طلقة واحدة تجاه الصهاينة الذين يحتلون القدس الشريف ويدنسون بيت المقدس كل يوم، بل تقوم هذه الجماعة بقتل الأبرياء في مصر.

لقد تساءلت وأنا أطالع آخر الخرائط التي صممها الصهاينة للقدس الشريف وهي تعرض علينا في نشرات الأخبار.. كيف يستطيع العرب، بل كيف يستطيع المسلمون، بل كيف يستطيع شرفاء العالم وصناديده تخليص القدس الشريف من قبضة الصهاينة المغتصبين؟.

الخريطة الحديثة التي عرضها الصهاينة للقدس الشريف تشير إلى أن الصهاينة أوشكوا على الانتهاء من الحفريات تحت المسجد الأقصى، وأنهم اقتربوا من أساسات قبة الصخرة والمسجد الذي سيصبح جاهزا للسقوط بمجرد الاقتراب من الأساسات، وأنهم من ناحية أخرى يحضرون لإزالة المسجد الأقصى، ووضع مجسم الهيكل الجديد الذي أصبح هو الآخر جاهزا ليكون الهيكل الذي وهبه الرب لشعب إسرائيل.

وإذا حدث هذا لا سمح الله، وهو يوشك– مع الأسف الشديد– أن يحدث، فإن هذا التغيير الملعون في التاريخ والجغرافيا .. يجعل الإسرائيليين يراهنون على أنهم سيضعون العالم أمام هيكل سليمان “مزعوم” وأمام ركام مسجد “سابق” قد تهدم تماما.

طبعا هذا السيناريو لم يعد سرا بحسب “الاقتصادية”، بل إن إسرائيل تجاهر به صباح مساء كي تختبر ردود الأفعال العربية والإسلامية، ومع الأسف فإن ردود الأفعال السلبية هي التي شجعت الإسرائيليين على المضي قدما في تنفيذ مخططهم المريب، والسؤال المهم جدا: ماذا سيفعل العرب حينما يجدون أنفسهم أمام أولى القبلتين وقد تدمرت، وأمام هيكل مزعوم قد نصب وحل محل المسجد الأقصى.

نعم ماذا سيفعل العرب، بل ماذا يستطيع المسلمون أن يفعلوا؟.

دعونا نواجه هذه الكارثة بمنتهى الصراحة ونقول إنه لا يوجد في أيدي العرب ما يستطيعون فعله، وكل الذي يستطيعون فعله هو مجموعة بيانات تشجب وتستنكر وتندد، سواء من لجنة القدس، أو من منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن الأزهر الشريف، ومن رابطة العالم الإسلامي، ولا بأس أن يستضيف مقر جامعة الدول العربية في القاهرة وزراء الخارجية العرب ليجتمعوا ويصدروا المزيد من بيانات الشجب والاستنكار والتنديد، ولا بأس كذلك أن تبادر منظمة المؤتمر الإسلامي وتدعو وزراء خارجية الدول الإسلامية إلى اجتماع طارئ يصدر هو الآخر مجموعة من بيانات الشجب والاستنكار والتنديد.

بمعنى أن التحرك العربي والإسلامي سيكون في إطار بيانات شجب واستنكار وتنديد، بينما تكون إسرائيل قد استكملت وضع كامل نفوذها على كل أنحاء مدينة القدس، وتكون قد أزالت أكبر الآثار الإسلامية في القدس الشريف، وهو المسجد الأقصى، وتكون – كذلك – قد رتبت مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان قضية نقل سفاراتهم إلى القدس اليهودية.

أما العرب والمسلمون فإنهم سيمضون في ترديد الأسطوانة إياها .. أسطوانة الشجب والاستنكار والتنديد لمدة شهر .. شهرين .. سنة وإلى آخر السنين.

والغرب يدرك مضمون هذه الأسطوانة، فيترك العرب يثرثرون ويرددون الأسطوانة حتى يفشوا غلهم، وبعد فش الغل .. تنتهي الفقاعة ويستطعم العرب الطعم، ويتأقلموا مع الوضع الجديد كما تأقلموا مع وضع احتلال إسرائيل لمئات المدن والقرى والنجوع حتى الاحتلال الكامل لكل الأراضي الفلسطينية.

وإذا افترضنا – في أحسن الأحوال – أن الحمية العربية تجاسرت مع الحمية الإسلامية، وهددت بخوض حرب مسلحة ضد إسرائيل، فإن الغرب – الذي صنع إسرائيل ودعمها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه – لن يسمح بالحرب، ويدعو كل الأطراف إلى ضبط النفس والهدوء والجلوس إلى مائدة المفاوضات لبحث القضية.

وبذلك يعود العرب مع الإسرائيليين إلى المربع الأول للتفاوض، وتطرح عليهم خريطة طريق جديدة تقل كثيرا عن خريطة الطريق التي وضعت أمامهم في عام 1947، أو لنقل إن الولايات المتحدة الأمريكية مدعومة من الاتحاد الأوروبي سيضعون مرة أخرى أمام العرب مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهو مشروع يراد منه تقطيع العرب إلى دويلات، وبذلك يجد العرب أنفسهم في مواجهة تقطيع في فلسطين وتقطيع أكبر في كل الدول العربية.

ويجب ألا ننسى أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وأحفاده وأحفاد أحفاده رضي الله عنهم قد سلمونا القدس حرة عزيزة شامخة، وأرجو أن نتأسى بالخليفة الفاروق حتى لا يقول التاريخ إن جيل اليوم وأد القدس، وفرط في حريتها وعزتها وكرامتها، وسلمها هدية مجانية لشرذمة من الصهاينة الصعاليك.

زر الذهاب إلى الأعلى