هل تصل اللحوم المعدلة وراثياً إلى موائدنا قريبا؟

يهدف تغيير الحمض النووي للحيوانات التي نأكل لحومها إلى إنتاج لحوم أفضل من الناحية الصحية، وتحسين إنتاج الغذاء، لكن هل يمكن أن تصل هذه اللحوم المعدلة وراثيا إلى موائدنا يوما ما؟.

من المعروف أن منطقة أعالي بنما تعد مكانا لمزارع السمك، لكن ما هو غير معتاد أن تربى هناك أسماك سالمون المحيط الأطلسي.
لقد تم تعديل أسماك السالمون وراثياً بشكل يسمح لها بأن تنمو بسرعة مضاعفة مقارنة بسرعة نمو أسماك السالمون التي تربى في البرك العادية.
جاء ذلك بعد معالجتها بجين خاص بهرمون النمو أخذ من سالمون الشينوك، وبحمض نووي أخذ من أسماك تشبه ثعبان البحر. ومن شأن هذا أن يحسن الإنتاج و يقلل السلبيات البيئية لتربية أسماك السالمون.

في عام 2012، كان يمكن أن تصبح أسماك السالمون من نوع “أكو أدفانتدج” (وهو الاسم التجاري لأسماك السالمون الأطلسية المعدلة وراثياً) التي استزرعتها شركة “أكوا باونتي تكنولوجيز” الأمريكية أول كائن حي معدل وراثياً يحصل على ترخيص من أجل الاستهلاك البشري.
وقال المشاركون في ندوة نظمتها إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية (إف دي إيه) إن هذه الأسماك آمنة للاستهلاك البشري وليس لها آثار سلبية على الطبيعة. وكانت الموافقة على طرح هذه الأسماك في السوق وشيكة، رغم المعارضة التي أبدتها جماعات الدفاع عن البيئة. لكن إدارة الأغذية قررت أن توقف المشروع، ليتعطل بذلك إنتاج أسرع أسماك السالمون نمواً بحسب BBC.

لقد قام الباحثون بتعديل وراثي لعشرات الأنواع الحية على مدى سنوات طويلة، تراوحت من الخنازير المشبعة بأحماض أوميغا 3، إلى الدجاج المقاوم لإنفلونزا الطيور.
ويصر الباحثون على أن عملهم يمكن أن يحل إحدى أكبر المشاكل التي نعاني منها، والتي تكمن في السؤال: كيف نطعم الأعداد المتزايدة لسكان العالم في ظل تراجع المصادر الطبيعية؟.

يقول جيمز موراي من جامعة كاليفورنيا: “نريد إنتاج المزيد من الطعام بأقل مساحة من الأرض، وبكمية قليلة من الماء، وبدون إلحاق أضرار بالبيئة”.
ويقول موراي الذي طور أغناماً معدلة وراثياً تنتج حليباً يحتوي على مضاد للبكتيريا يمنع الإسهال: “نحتاج إلى استعمال كافة الوسائل المتوفرة لدينا، والهندسة الوراثية إحدى هذه الوسائل.”

هل تطرح اللحوم والألبان المعدلة وراثياً في الأسواق قريبا؟
التعديل الوراثي يمكنه إثراء الإنتاج الحيواني وتعزيز فعالية الإنتاج، كما يقول موري، وفي الوقت ذاته تحسين ظروف حياة الحيوانات.
لكن حتى الآن، لم يصل الأسواق حيوان واحد معدل وراثياً. في الدول المتقدمة على الأقل، هناك مقاومة شديدة من جماعات الدفاع عن البيئة، كما أن القوانين والتشريعات لا تساعد على ذلك.

هذه البيئة المعادية دفعت المستثمرين إلى الحذر، كما أدى شح التمويل الحكومي إلى تباطؤ الأبحاث المتعلقة بهذا الأمر.

150313161542_genetically_modified_meat_512x288_thinkstock

“الأمر في غاية الإحباط،” هذا ما يقول موري الذي نقل مشروعه لتعديل الأغنام وراثيا إلى البرازيل، حيث لا يزال الأطفال يموتون بسبب الإسهال، وحيث تبدي الحكومة هناك تقبلاً أكثر لمشروعه.

تربية انتقائية متسارعة
ومع استمرار التقدم التكنولوجي في السنوات الأخيرة، أصبح بإمكان الباحثين استخدام وسائل متطورة لتعديل الحمض النووي، وتبديل جينات محددة بدون تغيير النظام الجيني أو الخلايا العضوية الخاصة بالحيوان.
ويمكن الآن للباحثين بدلا من إدخال جينات مأخوذة من أنواع مغايرة إلى حيوان ليس من نفس النوع، تحسين الثروة الحيوانية عن طريق النسخ المتماثل للفروقات الجينية الصغيرة في أجيال مختلفة من حيوانات من ذات النوع.
يقول بروس وايتلو من معهد روزلين في جامعة أدنبره:”:لا نأخذ الجينات من مخلوقات مختلفة، نحن فقط نقوم بتغيير للجينات بالضبط في الأماكن التي نريد لها أن تحدث التغير في الحيوانات التي نأكل لحومها”.

بكلمات أخرى، هو شكل متسارع للتربية الانتقائية، ويأمل بعض المهتمين أن تحدث هذه الطريقة تغييراً في قواعد اللعبة.
ويقولون في هذا الصدد إن الحيوانات المعدلة وراثيا بجينات منقولة من حيوانات من نفس النوع أقل مخاطرة من النقل التقليدي للجينات (الذي يقوم على تبادل الجينات بين أنواع مختلفة)، وبالتالي لا ينبغي أن توضع قيود قانونية أمام هذه الطريقة.
هناك شيء واحد واضح: هذا الجدل يبقى نظريا حتى يقدم الباحثون فكرة أكثر إقناعا من فكرة السالمون سريع النمو.
يقول وايتلو: “نريد إنتاج حيوانات ذات فوائد مميزة لا يمكن الحصول عليها بأي طريقة غير هذه الطريقة، ومن ثم يمكننا أن نسأل الناس: هل تريدونها؟”

150313161416_genetically_modified_meat_512x288_thinkstock

يستخدم وايتلو وسائل لتعديل النظام الجيني من شأنها أن تجعل الخنازير الأليفة الأوروبية مقاومة لمرض قاتل اسمه حمى الخنازير الأفريقية، والتي لا يوجد مصل للتطعيم ضدها.
الخنازير البرية في أفريقيا تقاوم هذا المرض، ولكن لا يمكن تلاقحها مع الخنازير الأوروبية. لذلك يشير وايتلو وزملاؤه إلى تغيير جيني طفيف يعتقدون أنه يولد مقاومة لهذا المرض، وهو عبارة عن إحداث طفرة في جين واحد من بين كل ثلاثة مليارات، وتم نسخه بدقة في البويضات المخصبة للخنازير الأوروبية الأليفة.
في أكتوبر عام 2013، أعلن فريق وايتلو عن ولادة خمس خنازير تحمل هذا التغيير. وعلينا الانتظار لنرى ما إذا كانت هذه الخنازير المعدلة وراثياً قادرة على مقاومة المرض عند إصابتها بالفيروس. فإذا ثبت أنها قادرة على مقاومته، فالفوائد من وراء ذلك واضحة.

تغيير النظام الجيني
في الولايات المتحدة، يراهن فاهرينكراغ، وهو مختص في الجينات الجزيئية في جامعة مينوسوتا، على أن الماشية التي ليس لها قرون يمكن أن تكون حلاً يرضى عنه الجميع، ويمكن في نهاية الأمر من إنتاج الحيوانات المعدلة وراثياً على نطاق مشابه لإنتاج الحيوانات العادية.
في 2010، شاهد فاهرينكراغ تقريراً متلفزاً عن كيفية استخدام المزارعين مكواة محماة لحرق قرون الأبقار المنتجة للحليب. هذه الممارسة هدفها الحيلولة دون إيذاء الأبقار لنفسها ولمن يعتني بها من المزارعين. لكن العملية مؤلمة للأبقار، ومكلفة للمزارعين.

يقول فاهرينكراغ: “هذا عمل مقزز ويرغب الجميع في الإقلاع عنه”. لكن إنتاج ماشية بلا قرون بطرق التربية الانتقائية التقليدية قد يستغرق عشرات السنين، وكبديل لذلك، يعكف المعهد الذي يعمل فيه فاهرينكراغ على تغيير النظام الجيني لماشية الحليب لكي تولد بلا قرون، مع المحافظة على غزارة إنتاج الحليب.
ما يفعلونه هو تعديل الحمض النووي لخلايا مأخوذة من أبقار “هولشتين” المعروفة بإنتاجها كميات كبيرة من الحليب، لنسخ الجينات التي تجعل أبقار “أنغوس” الحمراء – وهي فصيلة ممتازة من الأبقار- بلا قرون.
ومن ثم يستخدم الباحثون الاستنساخ لتحويل خلايا الماشية المعدلة إلى أجنة، أو إلى تعديل الجنين مباشرة، لإنتاج عجول بلا قرون.

150313161443_genetically_modified_meat_512x288_thinkstock

يعتقد وايتلو أن الأبقار بلا قرون والخنازير المقاومة للمرض ينبغي أن ينظر إليها بطريقة تختلف عن طريقة النظر إلى الحيوانات المعدلة وراثيا بطريقة تقليدية.
فمن ناحية، تحمل الحيوانات المعدلة وراثياً جينات من أنواع أخرى من الحيوانات، وليس من نفس نوعها، (مثل أن تحمل الماشية جينات من الخنازير، أو الأوز يحمل جينات من الدجاج وهكذا).
ويتفق الجميع على أن هناك حاجة لمراجعة عميقة لوضع هذه الحيوانات.
ومن ناحية أخرى، لدينا الحيوانات المعدلة وراثياً والتي جرى فيها تغيير جزء من مكونات الحمض النووي لتتطابق مع جين وجد في حيوانات من نفس النوع.
هنا تعتبر المخاطرة أقل بكثير، وبالتالي يجب أن تكون الأعباء القانونية أخف وطأة، كما يقول وايتلو.

محاذير أخلاقية
يذهب فاهرينكراغ إلى أبعد من ذلك ويقول إن الحصول على ماشية بدون قرون ينبغي ألا يحظر. فنحن نقوم بنقل الصفات فيما بين الحيوانات والمخلوقات منذ أن بدأنا في اختيار وتربية واستزراع الحيوانات، كما يقول. ويضيف قائلاً: “بغض النظر عن أسلوب الاستزراع الذي تستخدمه، فإن هذا الأمر ليس من اختصاص الجهات التي تصدر التشريعات والقوانين”.
مازالت كل من إدارة الغذاء والعقاقير الأمريكية، وهيئة معايير الغذاء الأوروبية تدرسان الأسلوب الأمثل للتعامل مع منتجات الحيوانات المعدلة وراثياً.
لكن حتى لو وجدت بعض تلك المنتجات طريقها إلى الأسواق، هل سيقبل الجمهور على شرائها؟
تقول آن بروس، أستاذة علم الاجتماع في جامعة أدنبره: “لا نعرف إلى أي مدى يميز الناس بين تغيير الجينات أو تحسين الجينات، ولذلك من الصعب التنبؤ بموقف الجمهور”.

الذي نعرفه يقيناً هو أن اعتراض كثير من الناس على الحيوانات المعدلة وراثياً يستند إلى أرضية أخلاقية. بالنسبة إلى من يعارضون فكرة التعديل الجيني، تكمن المشكلة لديهم في الطريقة التي يجري بها ذلك.
آخرون يصرون على أن أي تعديل وراثي للحيوانات، بغض النظر عن حجمه أو دقته، يمكن أن يؤدي إلى نتائج مستقبلية خطيرة غير مقصودة.
في نهاية المطاف، يبقى العبء على كاهل العلماء ليأتونا بتطبيق لا غنى عنه: حيوان محسن وراثياً يتمتع بصفات جيدة لا يمكن الطعن فيها أو التشكيك في جودتها.

تقول بروس: “لإقناع الجمهور، تحتاج إلى إنتاج شيء معدل وراثياً، ويشعر الجمهور بأنه في حاجة ماسة إليه”.

زر الذهاب إلى الأعلى