خالد القشطيني: دبي تلك اللوحة الفنية

خالد القطشيني- الشرق الأوسط… كنت قد زرت دبي قبل نحو سنتين، ولكنني لم أقض فيها غير يوم واحد، صاحبني خلاله ابن ابن أخي، فارس القشطيني، ففرجني على المدينة من الداخل، فتجولت في مخازنها وبين عماراتها، والضوضاء تهد أسماعي. خرجت بانطباع سيئ عما شاهدت.

ولطالما سمعت من غيري نقدهم لمدينة دبي بكونها «غابة من الكونكريت».. بنايات عالية يزاحم بعضها بعضا، ويناقض كل منها ما حوله من البنيان.
كان ذاك قبل نحو سنتين كما قلت. ولكنني في هذه الزيارة الأخيرة لتسلم جائزة «نادي الصحافة العربية» و«منتدى الإعلام العربي»، حظيت بوقت أكثر.

في دراسة فن الرسم، يقولون لك ابتعد عن اللوحة بضعة أمتار وعاين ما أنجزت من بُعد. وكذا أقول للناقد والمتفرج: ابتعد عن اللوحة قليلا لتراها بصورة متكاملة. وهذا ما حصل لي وأنا في الطابق الأعلى من الفندق على مرتفعات الجميرة، بعيدًا عن مركز المدينة.

ومن تلك الزاوية وهذا البعد الكافي، نظرت؛ فإذا بي أرى أمامي ليس مدينة تعج بالسيارات والضوضاء، وإنما لوحة فنية.. لوحة عملاقة من الفن التجريدي والتكعيبي يذكرك بشيء من أعمال براك وبيكاسو في مرحلته التكعيبية وأوائل مسيرته الحداثية. تحولت أمامي كل هذه العمارات الشاهقة بدبي إلى أشكال مستقيمة.. مربعات ومستطيلات وقباب، محدبة ومثلثة ومدببة، ومنقطة بالشبابيك، ولكل صبغتها الخاصة بها.. تتباين أو تتناغم مع بقية ما حولها من ألوان وأشكال.. بيضاء وسمراء وخضراء وزرقاء، وكأن كلا منها مشغول بحوار لوني مع جاره، وكلها صورة تسر الناظرين.
ولكن كل هذه الأشكال والألوان والخطوط سرعان ما تتحرك وتدور وتتداخل أمام زرقة السماء العربية الناصعة، حالما تتحرك أنت بسيارتك؛ يمينًا أو شمالاً، وكأنها أجزاء لفيلم من أفلام ديزني الكارتونية.

قلت لنفسي، مسكين حقًا من لا يلحظ هذا الجمال التشكيلي أمامه. مضيت فتذكرت كل هذه الآيات الخالدة من فنون السلف؛ معبد البارثنون في أثينا، ومرقد تاج محل في الهند، وقصور القناة الكبرى لفينيسيا، وبركة قصر الحمراء في غرناطة، وطريق الشانزلزيه بباريس.

هل ستضاف مدينة دبي العصرية لهذه القائمة من نفائس فن العمارة وهندسة المدن؟ شعرت في قرارة نفسي أنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيفد فيه السياح المتذوقون من شتى جهات العالم إلى دبي، لا لينعموا بشمسها أو بلاجاتها أو ملاعبها، وإنما لينظروا ويستمتعوا بهذه الآية من الجمال المعماري.. هذه اللوحة التشكيلية من الفن التكعيبي التجريدي التي تفتق عنها خيال المهندس الإنسان – الفنان الذي أبدع في تجميع هذه الأشكال من المجسمات المعمارية على شواطئ الخليج الرملية، وأمواجه الزرقاء، وشمسه الذهبية، وسمائه الصافية. ما أسعد من ينظر لهذا الصورة التشكيلية بعيدا من البحر!

زر الذهاب إلى الأعلى