“داعش” الأغنى في تاريخ الحركات الإرهابية المُسلحة

على رغم شحَّ المعلومات والصُور المُتوافرة عن تنظيم «داعش»، بسبب تقنينه لما يخرج عنه إعلامياً، في الوقت الذي ينتظر الخطف أو القتل الصحافيون الغربيون وغيرهم إذا حاولوا التحقيق في مواقع الأحداث في أسرار التنظيم، رغم ذلك، لا يزال الكثير من القنوات التلفزيونية الغربية يواصل إنتاج البرامج والأفلام التسجيلية التي تحاول أن تكشف خفايا «داعش»، ومصادر قوته، وأهدافه، وكيف نجح في ما فشل فيه غيره من التنظيمات الإرهابية.

ولم تشذ السلسلة التسجيلية البريطانية الشهيرة «هذا العالم»، والتي تعرض على الشاشة الثانية لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن هذا الإطار، إذ أعدت مجموعة من الأفلام التسجيلية عن التنظيم ستصل إلى الشاشة تباعاً في الأسابيع المقبلة، كان أولها الفيلم التسجيلي: «الجيش الإرهابي الأغنى في العالم» الذي عُرض أخيراً، وقدمه الصحافي البريطاني المعروف بيتر تايلور الذي قضى أكثر من ثلاثين عاماً مُتتبعاً الحركات الإرهابية المُسلحة كمراسل للمؤسسة الإعلامية البريطانية.

يُحقق الفيلم الجديد في مصادر تمويل التنظيم، والتي جعلته أغنى تنظيم إرهابي في التاريخ، فيصل إلى حقائق بعضها معروف، مثل بيع «داعش» النفط العراقي والسوري، وسرقته أموال الخزانات الحكومية لهاتين الدولتين في المناطق التي استولى عليها منهما، وبعضها ما زال في طور التكشف، كتجارته في الآثار العراقية والسورية، وفرضه ضرائب على أصحاب الشركات وحتى المحال الصغيرة في المناطق التي يهمين عليها.

كما يأخذ التنظيم حصة من الرواتب التي ما زالت تصل إلى موظفي الدولة العراقية في المدن التي يسيطر عليها في العراق، على رغم أن هذا الادعاء نفاه ممثل عن الحكومة العراقية في تصريح خَصَّ به الفيلم.

يصل المراسل البريطاني إلى العاصمة العراقية بغداد ليقابل عراقياً يُقال أنه كان المسؤول عن تنظيم موازنة «داعش» المالية قبل أن تقبض عليه القوات الأمنية العراقية. لكن اللقاء الذي زعم البرنامج البريطاني أنه الأول مع المسؤول «الداعشي» لم يتضمن الكثير من المعلومات المهمة، ذلك أن العراقي كان كتوماً كثيراً ولم يفصح بالكثير.

إلى ذلك، قابل الفيلم سورياً أخفى هويته، ادعى أن النظام السوري هو أحد مشتري نفط «داعش» في مدن مثل حلب وحمص، كما عقد النظام والتنظيم، ووفق السوري نفسه، اتفاقات لتبادل الكهرباء مقابل النفط، وهو الأمر الذي نفته الحكومة السورية أيضاً. وفي الاتجاه ذاته، عرض الفيلم البريطاني مشاهد لمصافي البترول البدائية التي تنتشر كثيراً في سورية والعراق اليوم، وبعد أن دمرت طائرات التحالف وتلك الخاصة بالبلدين المصافي الرسمية التي سيطر عليها «داعش»، ليلجأ هذا الأخير إلى إنشاء مصافٍ تبدو مثل معامل الطابوق القديمة، لكنها، ووفق الفيلم التسجيلي البريطاني، تنتج ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات الأميركية سنوياً، والتي تضاف إلى خزينة التنظيم التي لا تنقصها الأموال.

ومن الثروة المالية، ينتقل الفيلم البريطاني إلى ثروة أخرى للتنظيم، إذ يُركز على قوته الإلكترونية، فالتنظيم والمتعاطفون معه يديرون معركة أخرى على شبكة الإنترنت للترويج للمبادئ التي يقوم عليها ويقاتل لأجلها. هذه المعركة لا تقل خطورة عن التي تجرى على الأرض، بخاصة للأوروبيين، فمن طريق الشبكة العنكبوتية يجند «داعش» مسلمين أوروبيين، منهم بريطاني تحول إلى «وجه» للبريطانيين المسلمين الملتحقين بـ «داعش».

لكن هذا الشاب الذي لفّق قصة موته في سورية لكي يعود سراً إلى بريطانيا، هو اليوم في السجن يقضي عقوبة 12 عاماً، لتورطه بأعمال إرهابية في سورية، وكما جاء في حيثيات حكم المحكمة البريطانية.

يُعاني البرنامج من ندرة المعلومات والصور عن «داعش»، صحيح أن المراسل البريطاني يتنقل بين بغداد وكردستان العراق وتركيا، لكن الصور الأساسية عن «داعش» والتي تظهر في البرنامج، هي من إنتاج التنظيم نفسه، ليُعد هذا نجاحاً جديداً لـ «داعش» في التحكم مُجدداً في تشكيل صورته الإعلامية على هواه، حتى في البرامج التلفزيونية الغربية. إلى ذلك، لا يصل البرنامج البريطاني إلى حقائق دامغة، ولا يخرج ما قدمه عن التكهنات، ليبقى «داعش»، أحد الأسرار الكبيرة للإعلام الغربي والعربي على حد سواء.

زر الذهاب إلى الأعلى