“دي أن أيه” في فخ الانتشار العربي

الحياة… على قِصَر مدّته (12 دقيقة)، بات برنامج «دي أن أيه» السياسي الساخر، للإعلامي والكاتب اللبناني نديم قطيش، والذي تبثه قناة «المستقبل» اللبنانيّة يوميّاً، بات ذائع الصيت والشهرة، داخل لبنان وخارجه. إذ لا تقتصر أهميّته على جرعة النقد السياسي الساخر الذي يستهدف محور «الممانعة» الممتدّ من قمّ الإيرانيّة إلى الضاحيّة الجنوبيّة، مروراً بالقرداحة، مسقط رأس النظام السوري، وما تترتّب عليه هذه الجرعة الناقدة من مواجهةٍ خطرة وتحدّ جريء وجسورٍ غير مكترث بالتهديد والوعيد وحسب، بل ربما لأنه البرنامج السياسي الساخر الوحيد المتبقّي، الذي يُعرض على الشاشات العربيّة، بعد الإطاحة ببرنامج «البرنامج» لصاحبه باسم يوسف.

وبعيداً من تكرار الخوض في فكرة برنامج «دي أن أيه» وطبيعته، ثمّة ما بات يستوجب الإشارة إليه من ملاحظة ونقد، بهدف دعم وتأييد هذا البرنامج، وصولاً إلى تطويره أكثر، ويمكن تسجيل النقاط الآتية:

أولاً: شارة البرنامج، توحي وكأنّ المشاهد إزاء مشاهدة برنامج سياسي جاد، بعيد من السخريّة والفكاهة الناقدة، عبر كشف وفضح التناقضات في التصريحات والمواقف السياسيّة الصادرة من جهة أو شخصيّة سياسيّة يراد انتقادها. وبالتالي، من الأهميّة بمكان أن تكون شارة «دي أن أيه» أكثر حيويّة ومنسجمة مع روح السخريّة السياسيّة، وأقلّ إيحاء بالجديّة والرتابة المعهودة في البرامج السياسيّة.

ثانياً: تصوير قطيش حلقات برنامجه الأخيرة، ومن خلفه مكتبة، أيضاً من شأنه التشويش على النفس الساخر لـ»دي أن أيه»، فيظهر قطيش وكأنّه محلل سياسي، أكثر منه كمقدّم برنامج سياسي ناقد وساخر! والحقّ أن الحلقات السابقة من «دي أن أيه» التي صوّرها قطيش من داخل الاستوديو التلفزيوني، كانت أفضل وأكثر انسجاماً مع روحيّة «دي أن أيه» الساخرة.

ثالثاً: منذ بدء موقع «العربيّة نت» ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة له، عرض حلقات «دي أن أيه» الشهر الماضي، صار قطيش يركّز أكثر على مجريات حرب اليمن و»عاصفة الحزم» وردود أفعال «محور الممانعة» على هذه الحرب، على حساب انحسار الاهتمام بهموم ومشاغل الإنسان اللبناني الناجمة عن بؤس الواقع السياسي والاقتصادي في هذا البلد، ما أعطى انطباعاً مفاده؛ أن قطيش يهدف لإرضاء قناة «العربيّة» وموقعها الإلكتروني! فمثلاً، كان بإمكان البرنامج أن يتخذ من حفلة زفاف نجل رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي، موضوعاً لحلقة من حلقاته، لجهة مظاهر الترف والبذخ الذي شهده إلى جانب حالة الفقر المدقع الموجودة في منطقة في طرابلس ينوب عنها ميقاتي في البرلمان اللبناني!

مقصد القول إن المشهد السياسي والإعلامي والثقافي اللبناني فيه من المفارقات والتناقضات ما لا يمكن حصرها في محور «الممانعة» وحسب، بل على الطرف الآخر أيضاً، يوجد أيضاً من التناقضات والمفارقات التي من المفترض أن تلفت انتباه قطيش، وتصبح مادة لبرنامجه ونقده الساخر، توخّياً للموضوعيّة والحياد في النقد السياسي الساخر!

كما يمكن تطوير «دي أن أيه» من حيث المدّة وتوسيع هامش الحركة فيه، عبر إضافة «اسكيتشات» مسرحيّة أو غنائيّة سياسيّة ساخرة، منسجمة مع موضوعات الحلقة، وجعله برنامجاً أسبوعياً، يصوّر ضمن مسرح أو استوديو كبير، مع حضور جمهور، بغية خلق حالة أكثر حيويّة وتواصل مباشر مع الناس. ولا حرج على قطيش و»دي أن أيه» أن يكون النسخة اللبنانيّة من برنامج «البرنامج» بنكهة لبنانية. ذلك أن المهم في الأمر هو تعرية وفضح البؤس والنفاق والدجل السياسي والإعلامي والثقافي في الواقع اللبناني والعربي، الذي يهرس المجتمعات والأوطان وتحفيز وتغذية الوعي النقدي لدى المواطن والدفع به لتجاوز الدوغمائيات في السياسة والثقافة والإعلام.

Exit mobile version