فضيحة “غسيل السيارات” تعصف بأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية

في مجتمع البرازيل الاستهلاكي بشكل مفرط، اعتاد الناس على دفع ثمن كل شيء بالتقسيط، بدءا من الثلاجات وأجهزة التلفاز إلى عمليات التجميل بالسليكون. لكن ما ليس معروفا على نطاق واسع هو أنه حتى الرشا للأحزاب السياسية يمكن دفعها، حسب الادعاءات، مجزأة، كما يقال في ممارسات الدفع بالأقساط.

هذا ما ادعاه أوجستو ريبيرو دي ميندوزا نيتو، وهو عضو سابق في مجلس شركة خدمات النفط والغاز “تويو سيتال”، في شهادة أدلى بها في آذار (مارس). زعم ميندوزا إنه دفع في الفترة بين عامي 2010 و2013 رشا لحزب العمال الحاكم، الذي ينتمي إلى يسار الوسط، مقابل الفوز بعقود مع شركة النفط المملوكة للدولة، بتروبراس.

هذه الادعاءات تمثل جزءا من تحقيق في فضيحة فساد واسعة في شركة بتروبراس تعرف باسم فضيحة “غسيل السيارات”. وفي إطار التحقيق، أبلغ ميندوزا المدعين العامين أن جو فاكاري نيتو، أمين الخزانة السابق في حزب العمال، طلب منه إخفاء الرشا على شكل مدفوعات لشركة طباعة وإعلان تحمل اسم إيديتورا جرافيكا أتيتيود.

وقال ممثلو النائب العام نقلا عنه كجزء من صفقة دفاع: “إن المتعاون ميندوزا قال إن المدفوعات تم تقديمها لشركة إيديتورا جرافيكا من قبل شركاته، وكانت إس أو جي / سيتال، تتلقى 2.5 مليون ريال (822440 دولارا) وأن تلك المبالغ كانت تدفع بأقساط شهرية”. وأدت الادعاءات إلى اعتقال فكاري بأمر من المحكمة وتجيز في نيسان (أبريل) الماضي.

ورواية ميندوزا واحدة من مزاعم الفساد المستشرية والمتزايدة التي تطال حزب الرئيسة ديلما روسيف وتحالفها. الاتهامات – التي ينفيها فاكاري وحزب العمال – جنبا إلى جنب مع الركود الاقتصادي المتراكم، عملت على تعريض واحد من الأحزاب الحاكمة طويلة الأمد في أمريكا اللاتينية لأزمة، وأصبحت تهدد بإعادة تشكيل المستقبل السياسي لأكبر دولة وأهم اقتصاد في أمريكا الجنوبية.

خيبة الأمل عميقة جدا – مع اتهام النقاد لحزب العمال باستغلال “بتروبراس” مصدرا للأموال غير المشروعة لمساعدته في الحفاظ على السلطة – لدرجة أنه حتى أكبر سياسيي الحزب وبطله الأول، لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس السابق، يتعرض لإطلاق نار مباشر للمرة الأولى. فقد تم فتح تحقيق أولي هذا الشهر للنظر في ادعاءات منفصلة بأنه تورط في استغلال نفوذ غير شرعي في معاملاته التجارية في كل من كوبا وإفريقيا.

وكان لولا دا سيلفا واحدا من السياسيين الأكثر شعبية في العالم عندما ترك منصبه بعد ثماني سنوات في عام 2010. مع ذلك تعرض هذا الشهر إلى ما يعرف بـ “لأبانيلاكو”، وهو أسلوب احتجاج في أمريكا اللاتينية يضرب الناس خلاله الأواني والقدور في بيوتهم، عندما ظهر على شاشة التلفاز لمناصرة موقف حزب العمال فيما يتعلق بحقوق العاملين.

يقول فيرناندو شولر، الأستاذ في جامعة إنسبير في ساو باولو: “لم يتعرض الرئيس لولا لأي شيء مشابه لذلك الاحتجاج في التاريخ الحديث”. ويضيف: “قبل ذلك، هذه التحركات كانت ضد ديلما، الآن تستهدف لولا”.

استرداد المسروقات

واحد من المصادر الرئيسية للاستياء من لولا داسيلفا وروسيف وحزب العمال هو المشاكل الموجودة في “بتروبراس”، الشركة التي كانت تعتبر ذات مرة بطلا وطنيا لبراعتها في مجال التنقيب عن النفط في المياه العميقة. ومع أن روسيف لم تتهم بالضلوع المباشر في قضايا الفساد، إلا أنها كانت رئيسة لمجلس الإدارة عندما وقع الكثير من المخالفات وكان لولا دا سيلفا رئيس الجمهورية.

هذا الأسبوع، حضر ألديمير بينديني، الرئيس الجديد لشركة بتروبراس، حدثا غير عادي في برازيليا. باستضافته من قبل النائب العام، تلقى بينديني بالنيابة عن بتروبراس مبلغا قدره 157 مليون دولار عبارة عن أموال كانت قد سرقت من قبل الرؤساء التنفيذيين السابقين الفاسدين، أعادها المحققون من حساباتهم المصرفية السويسرية. كان هذا المال جزءا من مبالغ كبيرة تحولت من “بتروبراس”، يزعم أن بعضها ذهب إلى حزب العمال والتحالف الحاكم.

وقال بينديني أمام الحفل: “إن يوما كهذا، استرددنا فيه أول المبالغ المفقودة خلال تلك الممارسات، يعزز مكانة “بتروبراس” على مسار التغلب على هذه الأزمة”.

وقال إن الشركة رفعت دعاوى قضائية لاسترداد 1.3 مليار دولار أخرى. لكن حتى هذا المبلغ، كما يقول محللون، يعتبر ضئيلا جدا مقارنة بالأضرار التي سببها الفساد وسوء الإدارة.

ويعد فاكاري مجرد واحد من عشرات الأشخاص، بمن فيهم 54 من الشخصيات السياسية، الذين اتهموا بتلقي أموال غير مشروعة من “بتروبراس”.

ويتم تحريك القضية من قبل مجموعة من المدعين العامين المستقلين، وضباط من الشرطة الاتحادية، وقضاة يعملون انطلاقا من مدينة كوريتيبا الجنوبية، ويزعمون أن الرؤساء التنفيذيين السابقين والسياسيين الأكثر نفوذا في التحالف قبلوا رشا من مجموعة من شركات الخدمات والتشييد الاحتكارية مقابل عقود. ومع استثمار بتروبراس أكثر من 220 مليار دولار على مدى خمس سنوات، كان تدفق مثل هذه العقود ضخما.

وواجهت بتروبراس عجزا فنيا عن سداد ديونها هذا العام عندما أرغمتها الفضيحة على تأخير نشر نتائجها المالية لعام 2014 ـ ويعد النشر مطلبا لبعض اتفاقيات السندات. تلك الخطوة أيضا عرضت تصنيف البرازيل الائتماني السيادي للخطر. وعندما نشرت بتروبراس أخيرا النتائج في الشهر الماضي، كشفت عن خسائر مباشرة بسبب الفساد تقدر بـ 6.2 مليار دولار، فيما تقد رسوم التعطيل بـ 44.6 مليار دولار، وهي مرتبطة جزئيا بتأخير في مشاريع تكرير متضررة من الفساد.

وعمل نشر النتائج على صد الأزمة الفورية، لكن يبقى موقف الشركة أليما. وتعمل الأزمة على تأخير تطوير اكتشافات نفطية عملاقة قبالة ساحل جنوب شرقي البرازيل تعرف باسم بري سولت (ما قبل الملح) – لأنها تقع تحت طبقة ملحية تمتد سبعة كيلو مترات تحت سطح المحيط – ما يجعل من الصعب تخفيض عبء الديون الصافي لديها، البالغ 106 مليار دولار ـ يعد الأكبر في مجال هذه الصناعة. وخفضت مجموعة وود ماكينزي لبحوث الطاقة تقديرات سابقة أعلى إنتاج لبتروبراس من منطقة بري سولت بواقع 900 ألف برميل يوميا إلى 3.2 مليون برميل يوميا بحلول عام 2025. ومع وجود النفط اليوم بسعر يقارب 67 دولارا للبرميل الواحد، هذا يعني ما قيمته 22 مليار دولار سنويا من الإنتاج المفقود.

علاوة على الخسائر الناجمة عن الفساد، عانت الشركة المزيد من الأضرار التي تقدر بـ 60 مليار دولار بسبب سياسة روسيف التي أرغمت الشركة على دعم أسعار النفط المحلية بين عامي 2011 و2014، وفقا لتقديرات أندري جوردون، نائب رئيس جمعية مساهمي الأقلية في البرازيل.

وكانت الخسائر شديدة جدا بسبب نظام الإعانة، لدرجة أن منظم سوق الأوراق المالية في البرازيل، سي في إم، أعلن هذا الشهر عن تحقيق في المجلس السابق لشركة بتروبراس، بمن فيهم وزير المالية السابق، جايدو مانتيجا، الذي تضاعفت أمواله عندما كان رئيسا للشركة.

وقال باولو روبرتو كوستا، وهو تنفيذي سابق في الشركة تحول إلى شاهد في القضية، أمام هيئة برلمانية الأسبوع الماضي: “المشكلة الأكبر في بتروبراس ليست غسيل السيارات. المشكلة الأكبر سياسة الأسعار المزروعة من قبل مساهمي الأغلبية”.

الطفرة النفطية

في عام 2007، عندما أعلنت شركة بتروبراس عن اكتشافاتها في منطقة بري سولت، بدأ حزب العمال موجة من القومية النفطية وعمل على إحياء شعار “النفط لنا”، ليدعو البرازيل إلى استغلال احتياطياتها. أما الحملة الأصلية فقد أدت إلى إنشاء شركة بتروبراس في عام 1953.

ووعد الحزب الذي ولد من رحم كفاح ساعد البرازيل في التغلب على ديكتاتورية عسكرية دامت 20 عاما، انتهت في عام 1984، بأن يعمل نفط منطقة بري سولت على تمويل تحسينات تمس الحاجة إليها في حقلي التعليم والصحة. وهذه الأيام يقول النقاد ساخرين إن حزب العمال كان يقصد في الحقيقة أن النفط حرفيا سيكون له.

يقول أدريانو بايرز، مؤسس المركز البرازيلي للبنية التحتية الذي عمل سابقا في هيئة تنظيم النفط “إيه إن بي”: “رأى حزب العمال باكتشاف منطقة بري سولت أن شركة بتروبراس ستصبح وسيلة رائعة للحفاظ على السلطة في يديه خلال الـ 100 عام المقبلة”.

لكن مع تفاقم الفضيحة وحصول حالات تأخير بسبب توقف الإنتاج، فإن المردود الاقتصادي الذي تم التبشير به كثيرا آخذ في التلاشي الآن. ويأتي هذا على خلفية نهاية الدورة الممتازة للسلع الأساسية مع وجود اقتصاد ضعيف يتوقع محللون أن ينزلق في فترة ركود اقتصادي هذا العام.

عقب إعادة انتخابها في عام 2014، عينت الرئيسة البرازيلية جواكيم ليفي، الذي تلقى تدريبا في شيكاغو، وزيرا للمالية، لتصحيح وضع المالية البرازيلية المتردي.

لكن عديدا من المحللين يتساءلون عن القوة المحتملة لأي تحول في الاقتصاد وما إذا كان سيكون كافيا لإنقاذ حزب العمال، مشيرين إلى أن البطالة آخذة في الارتفاع والتضخم مرتفع.

ودعا صندوق النقد الدولي البرازيل الأسبوع الماضي إلى تطبيق سياسات تقشف مالي أكثر صرامة.

والأسوأ بالنسبة إلى روسيف، أن استطلاعات الرأي تظهر أن نسبة البرازيليين الذين يرون أن حكومتها سيئة، أو رهيبة، ارتفعت إلى 64 في المائة في آذار (مارس) مقارنة بـ 27 في المائة في كانون الأول (ديسمبر). وفي آذار (مارس) ونيسان (أبريل) نزل البرازيليون إلى شوارع المدن الرئيسية مطالبين بأن توجه إليها تهمة التقصير.

عمل كل من الاقتصاد الضعيف والفضيحة على انقسام حزب العمال. يقول بعض أعضاء الحزب المنشقين، مثل رئيسة بلدية ساو باولو السابقة، مارتا سوبليسي، إن الحزب فقد صدقيته. وقالت في مقابلة مع صحيفة أخيرا: “في كل مرة أفتح فيها صحيفة أشعر بأنني أكثر خوفا بسبب تجاوزات الحزب التي تتزايد يوما بعد يوم”.

وبصرف النظر عن الانقسامات الداخلية، يواجه حزب العمال أيضا جهازا تشريعيا متململا وحرونا. ويرأس شريكه الرئيسي في الائتلاف، حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية، الآن مجلسي النواب والشيوخ، وكثيرا ما يعارض الحكومة.

وفي تصريح لـ “فاينانشيال تايمز”، قال فيرناندو هينريك كاردوسو، وهو رئيس سابق للبرازيل ومن كبار الشخصيات المعارضة: “نحن نعيش الآن في فوضى سياسية، وهناك نقص في وجود قيادة واضحة، والجهاز التشريعي يصبح أكثر نشاطا في محاولة للتنافس مع الفرع التنفيذي”.

ولأن روسيف تتخذ الآن أدوارا غير بارزة – تجنبت إلقاء الكلمة الرئاسية المتلفزة في يوم العمال العالمي في أول أيار (مايو) – فإن لولا دا سيلفا يحاول ملء الفراغ.

وحتى الشهر الحالي، كان يبدو أنه قادر على استعادة شعبيته، لكن الذي حدث هو أن ممثلي النائب العام كشفوا أن هناك تحقيقا في ادعاءات حول استغلال نفوذه بصورة غير شرعية في كوبا وبلدان أخرى وسط اتهامات بأنه ساعد شركة أوديبريخت للإنشاءات، على الفوز بعقود في الخارج بين عام 2011 و2012. وقد نفى هو والشركة هذه الادعاءات.

كذلك ألمح لولا دا سيلفا إلى أنه ربما يرشح نفسه للرئاسة مرة أخرى في انتخابات 2018. وقال: “أنا أعود إلى المعركة”. ولأن الانتخابات أمامها أربع سنوات، يقول محللون إن حزب العمال يستطيع أن يستعيد عافيته. لكن أخطاء الحزب بخصوص الاقتصاد، وفضيحة بتروبراس، وقضية فساد سابقة أخرى، تعرف باسم “منسالاو”، التي أدين فيها رفاق مقربون من لولا دا سيلفا بشراء الأصوات لدخول الكونجرس، تظهر وجود مشاكل عميقة.

ويظل كثير من البرازيليين متشككين في أن “غسيل السيارات” سوف يكون له تأثير مباشر على لولا، أو على تلميذته روسيف.

يقول مارشيا جوميز، وهو عالم نفس كان يتسوق في أفنيدا بوليستا، الشارع العام الرئيسي في ساو باولو: “أعتقد أنه سيتم التحقيق بخصوص لولا. لكن إذا خرج من المينسالاو دون أية تهم، فلن ينتج شيء هذه المرة كذلك”.

لكن إذا أظهر “غسيل السيارات” أمرا، فهو أن المؤسسات البرازيلية – الشرطة ومكتب النائب العام والمحاكم – تمر في حالة من النضج. الحصانة للأغنياء وأصحاب النفوذ تظل مشكلة ضخمة، لكن الأمر ليس سهلا كما كان في السابق.

الآن عدد متزايد من التنفيذيين في الشركات الضالعين في الفضيحة، مثل مندونسا، يصطفون لإبرام اتفاقيات دفاع مع ممثلي النائب العام مقابل الحصول على الرأفة. وكلما ازداد عدد الذين يبرمون هذه الاتفاقيات، ربما تزداد الأمور سوءا بالنسبة للحكومة وحزب العمال.

بالتأكيد، يبدو أن القاضي المركزي في هذه القضية لا نية لديه للتراجع. قال القاضي الفيدرالي، سيرجيو فرناندو مورو، في قراره بتفويض أمر اعتقال فاكاري، من حزب العمال: “لا يمكن أن نسمح لعالم الجريمة بتلويث نظام الشرطة”.

شخصيات في الحدث

ألديمير بيندين: باعتباره شخصا مقربا من لويز إيناسيو دا سيلفا وديلما روسيف، أصبح الرئيس السابق لـ “بانكو دو برازيل” المصرف المملوك للدولة، الرئيس التنفيذي لشركة بتروبراس هذا العام لتنظيف الفوضى في الشركة.

جواو فاكاري نيتو: أمين الصندوق السابق لحزب العمال الحاكم، الذي تم اتهامه بأخذ رشا وتبرعات سياسية من المتعاقدين مع شركة بتروبراس، موجود تحت الإقامة الجبرية، وهو كما يفعل حزب العمال، ينفي ارتكاب أي مخالفات.

ديلما روسيف: رئيسة البرازيل كانت رئيسة مجلس إدارة شركة بتروبراس بين عامي 2003 و2010 عندما حدث الكثير من الفساد المزعوم. وهي تواجه دعوات لتقديم استقالتها لكنها تدعي أنها لم تعلم شيئا عن المخطط.

باولو روبرتو كوستا: الرئيس السابق لوحدة التكرير في شركة بتروبراس وقع اتفاقا مع النيابة العامة مقابل تقديم شهادته. ويتهم عدد كبير من السياسيين بتلقي رشا.

لويس إيناسيو لولا دا سيلفا: الرئيس السابق للبرازيل الذي قاد البلاد عندما حدث كثير من الفساد المزعوم. وقد بدأ المتظاهرون يستهدفونه.

زر الذهاب إلى الأعلى