النزاعات الطائفية وتضارب المصالح خلف قوة “داعش”

ما كان لأحد أن يتصور بأن تنظيما إرهابيا على غرار تنظيم “داعش” من شأنه أن ينجح في غضون عام فقط في إحكام قبضته على نصف الأراضي السورية وعلى أغلبية حقول النفط والغاز في البلاد. وما كان أحد ليتوقع بأن يسيطر مقاتلون جهاديون على مناطق شاسعة من العراق، بعد دحرهم للجيش العراقي من محافظة الموصل صيف العام الماضي والتغلب عليه قبل أسابيع قليلة في محافظة الأنبار، كبريات المحافظات العراقية، وها هو تنظيم “داعش” الذي أعلن إقامة “الخلافة الإسلامية” في مناطق سيطرته في سوريا والعراق صيف العام الماضي، وينصب زعيمه أبو بكر البغدادي “خليفة”، لا تفصله سوى مائة كيلومتر عن العاصمة بغداد بعدما أصبحت مدينة الرمادي خاضعة لسيطرته. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا فشل الجيش العراقي المدجج بالأسلحة الأمريكية المتطورة والمدعوم بطائرات التحالف الدولي في وقف زحف هذا التنظيم الإرهابي؟.

0,,18488831_401,00

عدم وجود استراتيجية موحدة لمواجهة “داعش”

الدكتور زيدان خوليف، خبير شؤون الشرق الأوسط وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون بباريس، يعزو نجاح تنظيم “داعش” في التمدد في العراق وسوريا إلى سببين: الأول سياسي ويكمن في انعدام التنسيق السياسي بين الحكومات وتضارب مصالح دول المنطقة، أما الثاني فعسكري ويكمن في انعدام استراتيجية واضحة في التعامل مع التنظيم الإرهابي. ويقول في حوار مع DW: “الاستراتيجية التي اتبعها التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية ليست ناجحة، ذلك أنها تعتمد على القصف الجوي فقط. ولا يمكن بأي حال من الأحوال دحر أي عدو فقط بالغارات الجوية. كما أن الدول المشاركة في التحالف لا تريد المخاطرة بإرسال قوات على الأرض تاركة هذه المهمة للجيش العراقي الذي يفتقد للتنظيم والخبرة العسكرية، بعدما تم حل الجيش العراقي السابق من قبل باول بريمر.”

ويوضح خوليف أن حل الجيش العراقي وما تبعه من إقصاء لقيادات وكوادر عسكرية عملت سابقا تحت إمرة صدام حسين قد ساهم في توتر الأوضاع في العراق. ويفسر خوليف التقدم الميداني لـ”داعش” في العراق قائلا: “هناك جنرالات يتمتعون بالخبرة العسكرية والمعرفة الجغرافية الدقيقة للمنطقة في الجيش العراقي السابق ( أي في عهد صدام حسين) لكنهم التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية.”

الصراعات الطائفية – “البذرة التي غذت داعش”

من جهتها، ترى صحيفة شتوتغارته تسايتونغ في عددها الصادر الاثنين (الثامن من يونيو/حزيران 2015) أن إقصاء سنة العراق من الحكم وتجاهل حكومة نوري المالكي لمطالبهم على مدى سنوات قد مهد الطريق لتقدم تنظيم “داعش”. وكتبت تقول: “بعد النصر على صدام حسين عام 2003 ، أدارت سلطة الاحتلال الأمريكية وجهها عندما سمحت بتفكك الدولة العراقية وساهمت في انقسامها وفي ظهور الأزمات الإقليمية والصراعات الطائفية. وكانت النتيجة: بعد وحشية نظام صدام حسين، جائت مرحلة اتسمت بالتمييز والملاحقة الانتقامية تجاه السكان السنة، الأمر الذي تسبب في إشعال حرب داخلية لا زالت مستمرة حتى اليوم. وهكذا نشأ جيل ضائع وزُرعت بذرة يستمد منها تنظيم الدولة الإسلامية قوته.” فهل يدعم سنة العراق التنظيم الجهادي انتقاما من حكومة مركزية تجاهلتهم على مدى سنوات؟ على الأقل هذا ما يروج له تنظيم “داعش” الذي نشر قبل أيام مقطع فيديو يظهر فيه حوالي خمسون ممثلا عن قبائل السنة في غرب العراق، أعلنوا ولاءهم للتنظيم الإرهابي.

0,,18432137_401,00

“الدولة الإسلامية” مشكلة دولية وليست عربية فقط

“القبائل السنية في العراق تجد نفسها في مفترق طرق”، يقول الدكتور زيدان خوليف. ويضيف قائلا: تنظيم “داعش” قد يعكس لبعض السنة في العراق صورة الانتقام من الحكومة المركزية التي همشته وتجاهلته على مدى سنوات…أما الآخرون فلم يجدوا على الأرجح مخرجا آخر عدا الانضمام “داعش”، بعدما سيطر التنظيم على مناطقهم، حفاظا على أرواحهم وأوراح أهاليهم وذويهم.” وقد يكون هذا الولاء المعلن فعلا مجرد تكتيك لتجنب بطش تنظيم “داعش” الذي لم يتوان عن إظهار وحشيته في التعامل مع معارضيه. لكن واشنطن مازالت متخوفة من أن قيام بغداد بشن هجوم مضاد من خلال إرسال ميليشيات شيعية إلى المنطقة من شأنه أن يصعد من حالة الغضب الطائفية فيصب في مزاعم تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يدعي أنه يدافع عن السنة في مواجهة الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد.

في غضون ذلك، يواصل تنظيم “داعش” تقدمه في العراق وسوريا ويسجل تواجدا في ليبيا وفي أفغانستان ومن غير المستبعد أن ينتشر أكثر فأكثر، فما الحل؟ صحيفة شتوتغارته تسايتونغ ترى أن مكافحة هذا التنظيم الإرهابي مهمة المجتمع الدولي بأسره، حيث علقت قائلة: “لنكن واضحين: ليس هناك من حل سريع، غير أن الأمر ما كان ليتطور لهذا الوضع لو كان هناك حس واقعي أكبر وحزم سياسي قوي في التعامل مع تنظيم داعش”.

زر الذهاب إلى الأعلى