كيف يتحول سداد الديون إلى “خطأ اقتصادي كبير”؟

شهد الدين العام في البلدان الغنية ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة بين عامي 2007 إلى 2012، ليصعد متوسط الديون من 53% من الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 80%.

وأشار تقرير نشره موقع صحيفة “الإيكونوميست” إلى أنه في الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن هذه الحقيقة تمثل مشكلة تواجه هذه البلدان، مطالبين بزيادة الجهود لخفض الدين، ظهر تقرير حديث يتحدى هذه الرؤية.

وتقترح الورقة البحثية الصادرة مؤخرًا عن صندوق النقد الدولي أن سداد الديون ليس النهج الأكثر منطقية في كل الحالات.

ويرى اقتصاديو صندوق النقد أنه عندما يرتفع مستوى الدين، فإن الحكومات تضطر لرفع الضرائب، من أجل تمويل الإنفاق على المدفوعات الخاصة بفوائد الديون، بينما تضر هذه الضرائب بالاقتصاد بشكل عام.

ويتساءل التقرير: هل من الأفضل عندما تواجه الحكومة مستوى ديون مرتفع الاتجاه للإجراءات التقشفية وسداد هذه الالتزامات، أم استغلال معدلات الفائدة المنخفضة للاستثمار؟.

وتجيب الورقة البحثية بقولها إن الأمر يتوقف على حجم “الحيز المالي” الذي تتمتع به الحكومة، وهو ما يشير إلى الفارق بين معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي للدولة، و”الحد الأعلى” والذي تحدده وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني بأنه الوضع الذي يجب عنده اتخاذ إجراءات فعلية لتجنب التعثر في السداد.

وطبقًا لهذه الطريقة الحسابية، فإن الدول تنقسم إلى مجموعات مختلفة اعتمادًا على الفارق بين حجم ديونها مقارنة بـ”الحد الأعلى” المسموح به، حيث يشير اللون الأخضر إلى الحد الآمن، بينما الأصفر إلى “الحذر”، والبرتقالي يشير إلى “الخطر الكبير”، في حين يبرز اللون الأحمر “الخطر الداهم”.

وتشير هذه المقاييس بشكل جيد إلى مدى قابلية المالية العامة الخاصة بالدولة لتلقي الصدمات.

652fdfaf-459e-4e30-bdaf-b38e9bf8d2b4

ويوضح صندوق النقد أنه بالنسبة للدول التي تقع في المنطقة الحمراء في الرسم البياني السابق، فإن عليها القيام بأفعال من شأنها خفض مستويات الاقتراض، في حين يرى الصندوق أن الدول الواقعة في المنطقة الخضراء من الرسم يجب ألا تقلق بشأن ديونها.

ويعتقد خبراء صندوق النقد أنه بالنسبة للدول الواقعة في المنطقة الخضراء من الرسم البياني، فإن تكاليف زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق المجُدي في إطار السعي لتقليص مستوى الدين يتجاوز أي فوائد متوقعة.

ويطرح البحث مثالا حول دولة ما تخفض مستوى الدين من 120% إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يوضح أن التكاليف المتوقعة من رفع الضرائب سوف تتجاوز في الأغلب المكاسب المفترضة من هبوط مخاطر احتمالية التعثر في سداد الدين بنحو 90%.

وتشير الورقة البحثية إلى أن أفضل قرار للدول التي تقع في المنطقة الآمنة لمستويات الدين العام هو أن تترك النمو الاقتصادي يعمل في مساره الطبيعي، حيث إنه على المدى الطويل وفي حال نمو الاقتصاد بوتيرة أسرع من ارتفاع الدين، سوف يتراجع معدل الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ويشير التقرير إلى أن الدراسة الصادرة عن صندوق النقد تهتم بتطور الدين على المدى الطويل بشكل أكبر من تركيزها على تأثير الاقتراض على معدل النمو الاقتصادي في المدى القصير، رغم أن الأخير قد يكون أكثر أهمية في كثير من الحالات، خاصة بالنسبة للحكومات التي تنتهي ولايتها بفترة محددة.

ويشدد تقرير “الإيكونوميست” أن دراسة صندوق النقد تشير إلى أن ارتفاع الدين العام لا يجب بالضرورة أن يتسبب في حالة من الذعر، كما أن مسار الديون نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يكون أكثر أهمية من المستوى العام للدين.

ويرى التقرير أنه في كثير من الأحيان تتجاهل الحكومات المفاضلة الأساسية بين التكاليف، والفوائد المترتبة على الاقتراض الرامي إلى الاستثمار، مشيرًا إلى أنه يتعين على الدول أن تنظر بمزيد من المنطقية لسقف الدين قبل التسرع في محاولة إصلاحه.

زر الذهاب إلى الأعلى