عملية سروج تعكس فشل سياسات أردوغان تجاه سوريا

فيما تتوالى الإدانات الدولية للعملية الإرهابية التي هزت مدينة سوروج التركية والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين شخصا، وفق آخر حصيلة رسمية، يتساءل البعض عما إذا كان ذلك سيدفع بأنقرة إلى تغيير سياستها في المنطقة؟ فبالرغم من أن تنظيم “داعش” لم يعلن عن مسؤوليته للعملية، إلا أن محللين وخبراء وحتى الحكومة التركية نفسها تتهم التنظيم علنا بالوقوف وراء هذا الهجوم الدامي، معتبرة أنه يحمل بصماته.

هل انقلب السحر على الساحر؟
لفترة طويلة ظلت تركيا التي تربطها حدود طويلة مع كل من العراق وسوريا بمنأى عن أي هجوم لتنظيم “داعش” المنتشر في مناطق واسعة من العراق وسوريا، ، فيما شهدت عدة دول عربية وغربية عمليات إرهابية دامية. البعض يعزو الآن ذلك إلى سياسة أردوغان إزاء سوريا من خلال تغاضيها عن تحركات التنظيمات المتطرفة التي تحارب نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومنها تنظيم “داعش”. ونفت تركيا على الدوام هذه الاتهامات، لكنها رفضت حتى الآن المشاركة في التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” الجهادي. وإن صحت هذه الاتهامات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل انقلب السحر على الساحر؟

في سياق متصل، كتبت مجلة “دير شبيغل الألمانية” يوم الثلاثاء (21 يوليو/تموز 2015) على موقعها الإلكرتوني: “العملية الإرهابية هي آخر دليل وأوضحت على أن سياسة الحكومة التركية إزاء سوريا قد منيت بفشل ذريع. فلقد غضت أنقرة الطرف طويلا عن تنامي قوة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا، حيث كان المقاتلون يعبرون الأراضي التركية دون أية مراقبة باتجاه سوريا. كما تردد أن الجهاديين كانوا يسوّقون النفط عبر تركيا. في الوقت نفسه، منعت القوات التركية انضمام أكراد ومتطوعين للقتال في سوريا ضد تنظيم “الدولة الإسلامية. كما وجب على اللاجئين الأكراد (الفارين من بطش الجهاديين) على البقاء عالقين لأيام طويلة على الحدود السورية-التركية”.

وقع تفجير سوروج في منتصف النهار في حديقة المركز الثقافي هناك حيث تجمع طلاب راغبون في المشاركة في إعادة اعمار مدينة عين العرب السورية (كوباني) في الجانب الآخر من الحدود المدمرة بفعل المعركة التي دارت بين تنظيم “الدولة الاسلامية” ووحدات حماية الشعب الكردية السورية بين أيلول/سبتمبر وكانون الثاني/يناير الماضيين.

“عملية سوروتش استهدفت الأكراد بالدرجة الأولى”

يعبر الخبير في الشؤون الكردية والتركية هوشينك أوسي عن اعتقاده أن العملية الإرهابية استهدفت الأكراد، ويقول في حديث مع DW: “الحكومة التركية تحاول أن تسوق لنفسها بأنها مستهدفة من قبل تنظيم “داعش” الإرهابي. ولكن الواقع على الأرض يظهر أن التنظيم الارهابي لم يطلق خلال العامين الماضيين ولو رصاصة واحدة داخل المدن والبلدات الداخلية في تركيا. كما إن عمليته الأخيرة كانت في بلدة كردية. السؤال المطروح هنا هو: لماذا يستهدف هذا التنظيم المناطق الكردية بالذات؟” ويذهب الخبير إلى أبعد من ذلك من خلال اتهام الحكومة التركية بالتواطؤ مع تنظيم “الدولة الإسلامية” لإضعاف شوكة الأكراد. ويقول: “تركيا تنهج نفس السياسة الإيرانية المبنية على خطة “الحرب عن بعد” من خلال استخدام حزب الله اللبناني كذراع طويلة وضاربة في المنطقة. وتركيا بدورها تحاول أن تستخدم مثل هذه الورقة. ويبدو أن إيران نجحت في ذلك وتركيا تريد أيضا اتباع نفس التكتيك من خلال “القتال عن بعد” خاصة أن ملف الصراع التركي الكردي لم يغلق بعد.” وذلك في إشارة إلى محادثات السلام التي بدأت عام 2012 في تركيا مع حزب العمال الكردستاني المصنف في قائمة الإرهاب والتي تسعى لإنهاء الصراع المستمر منذ ثلاثة عقود والذي قتل فيه أكثر من 40 ألف شخص. في الشهور الأخيرة المحادثات تعثرت وأصبحت قائمة على أرضية هشة.

0,,18537141_401,00

مخاوف من قيام دولة كردية

أما تركيا نفسها، فترى أن العملية جاءت ردا على الإجراءات المشددة ضد تنظيم “داعش”، حيث كتبت صحيفة “صباح” الموالية للحكومة في افتتاحيتها أن “هذا الهجوم الإرهابي هو عمل انتقامي ضد التزام تركيا لمكافحة الارهاب، وغذته الفوضى التي تسود المنطقة”. خلال الأسابيع الاخيرة، قامت الشرطة التركية بسلسلة عمليات استهدفت بشكل واضح للمرة الأولى شبكات للتدريب على أراضيها والتي تسمح بمرور أعداد من المجندين وخصوصا الأجانب، إلى “الجبهة” السورية.

أنقرة عززت من تدابيرها العسكرية على الحدود مع سوريا، في إجراء اعتبره معارضون وخاصة الأكراد منهم، أنه جاء بعد استعادة أكراد سوريا مناطق من قبضة تنظيم “داعش”. في سياق متصل، اعتبرت مجلة دير شبيغل الألمانية أن أنقرة غضت الطرف عن “الدولة الإسلامية” خوفا من قيام “دولة كردية”. وكتبت على موقعها الإلكتروني الاثنين (21 يوليو/تموز 2015) قائلة: “عندما رفرفت الأعلام السوداء على بلدة تل أبيض الحدودية لم يحرك الجيش التركي ساكنا. ولكن عندما استعاد المقاتلون الأكراد السيطرة عليها، دق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أجراس الخطر، مشددا على أن بلاده لن تسمح أبدا بقيام كيان كردي مستقل في شمال سوريا. هذا الموقف المتضارب يعكس مخاوف أنقرة من أن تشكل تلك المنطقة نواة لقيام دولة كردية من شأنها أن توقظ آمال أكرادها في الاستقلال عن تركيا.”

“تركيا قد تدفع ثمنا باهضا”

ثمن هذه السياسة قد يكون باهضا، كما حذرت صحيفة فرانكفورته ألغيماينه تسايتونغ في عددها الصادر الاثنين (21 يوليو/تموز 2015) بالقول: “إذا كان الرئيس رجب طيب أردوغان يعتبر أن سياسته إزاء سوريا ستقيه شر تنظيم “داعش”، فعليه الآن أن يتأقلم مع الواقع الجديد. العملية الإرهابية في سوروتش تؤكد تخمينات سابقة مفادها أن الدولة الإسلامية تحوز على عناصر مستعدة لتنفيذ أي عملية إرهابية دموية في أي وقت.”
أما هوشينك أوسي، الخبير في الشؤون التركية الكردية، فيحذر من تكرار مثل تلك العملية ضد الأكراد، ملاحظا أن ذلك سيدفعهم للرد بشكل عنيف، فتنزلق فيه تركيا في حرب أخرى ضد أكرادها.

زر الذهاب إلى الأعلى