أحمد فؤاد أنور- الحياة.. بين التاجر مزراحي الذي كان يخرج من حارة اليهود في قلب القاهرة ليقدم تسهيلات مالية لجدي، تاجر الحديد في منطقة السبتية، وهارون وبقية اليهود في «حارة اليهود»، المسلسل التلفزيوني الذي عرض أخيراً، مسافة يمكن أن أتفهمها بحكم تخصص في اللغة العبرية وفي تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.
المؤلف مدحت العدل، أجاد في أنه لم يقدم الصورة النمطية سواء في طريقة الكلام أو حتى الملامح وصولاً إلى المواقف: فوجدنا أنفسنا أمام اليهودي الذي فضل أن يموت في مصر، والحاخام الذي بقي على المحبة لمصر، والجاسوس والمخرب الصهيوني، وجميل راتب الحكيم، والأثرياء الحاقدين من غلاة التطرف.
وكان المسلسل موفقاً حينما أشار إلى أن «غالبية يهود مصر فقراء»، وبالفعل فهم اعتذروا عن استضافة الفارين من النازيين في أوروبا نظراً الى أحوالهم المتعثرة، وكذلك استخدام لغة عبرية سليمة في إسرائيل أو على لسان بعض يهود مصر، وإن كان بعض التفاصيل يحتاج إلى لجنة مراجعة خاصة في ما يتعلق برتب الضباط في الجيش الإسرائيلي، والطقوس المتبعة يوم السبت، ومواقف متناقضة لبطلة العمل (منة شلبي) من الصهيونية.
ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن أول من تناول الشخصية اليهودية بعيداً من سمات اليهودي التقليدي الشائعة حتى في الآداب العالمية، هو إحسان عبد القدوس. ويرى رشاد الشامي أن «حارة اليهود» تأسست مع «حي الموسكي» قبل قرنين تقريباً، وكانت فيها مستشفيات ومدارس ومراكز اجتماعية ومعابد، كما نوه بأن من المشاكل المبكرة المغالاة في المهور، ما أدى إلى زواج العديد من اليهوديات من غير اليهود.
وبحثُ الشامي ذاته أوضح أن «حارة اليهود» إنما تم التطرق إليها في أدب عبدالقدوس في أعمال عدة منها «أين صديقتي اليهودية؟»، حيث أنه «رغم احتفاظ أهل كل دين بشخصيتهم الاجتماعية القائمة بذاتها، لم تكن تقوم بينهم معارك حتى في حارة اليهود». ويسجل عبدالقدوس ذكرياته عن «حارة اليهود»، عندما عمل وهو في مرحلة الدراسة الثانوية في محل لوالد صديق له في «حي الموسكي»، بالقرب من «حارة اليهود»، وكيف أن أحد اليهود من أهالي الحارة كان يعمل في هذا المحل: «كنت أقيم مع صديقي في بيته في كوم الشيخ سلامة القريب جداً من حارة اليهود حتى نذاكر دروسنا معاً، وأعمل معه في استقبال الزبائن في محل والده. حارة اليهود يخرج أهلها في الصبح يومياً ويعيشون بين كل أهالي وتجار الموسكي والحواري المحيطة به، وكان من بين موظفي دكان والد صديقي يهودي من أهالي حارة اليهود».
أي أن الانصهار اليهودي في الواقع المصري كان كاملاً. وفي قصة «الجاسوسة» ذكر إحسان: «بين زملائي في عملي ثلاثة من اليهود، أحدهم رسام، والثاني يعمل في قسم الإعلان والثالث في قسم الحسابات. ولي في القاهرة أكثر من صديق يهودي، بل إني عندما سكنت في العباسية منذ عشر سنوات أحببت فتاة يهودية تسكن في حي الظاهر».
وخلص رشاد الشامي إلى رصد صعوبة انفصال الشخصية اليهودية عن الانتماء اليهودي، وطموح اليهود وسعيهم الدائم الى الاحتماء بالأقوى.
وإذا عدنا الى المسلسل يمكن القول إن من مميزاته ابتعاده عن التعميم، وتركيزه على الوحدة الوطنيّة المصرية. وهو ما لا يجب اتهامه بالتّطبيع، بخاصة أنه أظهر مصر متسامحة مع اليهود، ويعيش فيها الجميع بسلام بغض النظر عن الديانة، وهذا ما ينفي ضرورة قيام دولة إسرائيل التي بدت عنصرية محتلة، وهو هدف المسلسل الأساسي. وكان هذا واقعاً بالفعل مع مزراحي، وسيط تجارة الحديد الذي يظهر بملابس عادية كل خميس في شوارع «السبتية»، مداعباً التجار المسلمين وطالباً منهم سبحة أو بخوراً عند عودتهم من الحج! وهو التعامل ذاته الذي حظي به تجار بقالة في «حي الموسكي» وغيره، وهم من أصول إيطالية ويونانية، وليس اليهود فقط.
وكان المسلسل موفقاً في إبراز دور الإخوان المسلمين في خروج اليهود من مصر، الأمر الذي تم عبر تقاطع مصالح، وربما تنسيق، بين الصهاينة والإخوان برعاية غربية لتوريط الطائفة اليهودية في مصر وإجبارها على الخروج من مصر، بعدما كانت مندمجة بالكامل ولها وزراء في الحكومة وأعضاء في مجمع اللغة العربية، ومنها أثرياء وفنانون مشاهير وكذلك نادٍ رياضي («مكابي» في المعادي) وصحف («الكليم»). وهي أسباب دفعت العديد من يهود مصر لمغادرتها بخاصة بعد 1956، حين اختفى مزراحي من «حارة اليهود» الحقيقية.
وهذا إضافة إلى محور لم يتطرق إليه المسلسل في شكل كافٍ ألا وهو تمصير الاقتصاد الذي تسبب بجعل عدد كبير من الأجانب ومن بينهم اليهود الذين لم يكونوا يحملون الجنسية المصرية يغادرون مصر.
والخلاصة أن المسلسل قدم لنا متعة المشاهدة بخلطة رومانسية كوميدية فيها اجتهاد كبير في التأريخ الموضوعي لقضية حساسة، وإن عابته الإطالة التي ربما ترجع إلى رغبة المخرج محمد العدل في تدليل نجومه على حساب الإيقاع والحبكة.






