قراءة مشاعر الناس كانت فيما قبل تعتمد على الحدس والفراسة، وكان لا يمكن تخيُّل معالجتها كنوع من أنواع البيانات وتوظيفها في أمر ما، كما بدأ يحدث الآن من قِبَل المُعلنين والمسوقين. قبل فترة، حتى تستطيع الحصول على نظرة ثاقبة حول ردود أفعال الناس بشأن منتج معين أو إعلان ما… كان عليك أن تسألهم “ماذا يشعرون؟” عن طريق وسائل أبحاث السوق المختلفة، والتي كانت تحوي نسبة لا بأس بها من النتائج المشكوك فيها.
اليوم، تقنية “ترميز الوجه” أو facial coding تستطيع تتبُّع وقياس ردود فعل عاطفة ومشاعر الناس من خلال تعبيرات وجوههم، وأصبحت هذه التقنية جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية كبرى العلامات التجارية في مختلف المجالات، وبالأخص شركات التسويق ووكالات الإعلام والإعلان. خصوصاً بعد ظهور الحاجة إلى تحليل كل مبلغ يتم صرفه في الاستثمار والتسويق، “إلى أين سيذهب، وماذا سنستفيد من ورائه؟”.
فالشركات الآن بصدد العمل على أساليب تقنية تقوم بتتّبع التفاعل الحاصل على نموذج معين من محتوى ما، وتتنبأ بمدى فاعليته، ويكون ذلك من قبل نشر المحتوى حتى. تقول “جوليا إلينج” رئيس قسم الذكاء في وكالة Mindshare العالمية للتسويق والإعلام -ومقرها بريطانيا-: “واحدة من القضايا التي تجرى البحوث حولها الآن هو التنبؤ بما يخطر على بال الناس وما يشعرون به حول موضوع ما، عن طريق وجوههم فقط”.
إحدى أذرع صناعة التسويق حول العالم هي شركات “أبحاث السوق Market Research”، والتي ستكون أكبر مستفيد من تقنية “ترميز الوجه” بقوة، حيث كانت فيما مضى تواجه قيودا وتحديات في فهم ردود أفعال الناس حول المنتجات أو الخدمات التي تقدمها الشركات في مختلف المجالات والصناعات، ثم لجأت بعض وكالات أبحاث السوق إلى الاعتماد على الإنترنت والموبايل منذ سنوات لتهرب من سوق الأبحاث المعتمد على التفاعل المباشر مع المتسوقين وجها لوجه، بسبب تلك القيود من تحفظات المستخدمين من عينات البحث على الأسئلة التي تُقدَّم لهم أو اللغة المستخدمة في استقصاءات الرأي أو طريقة الشخص المستجوِب نفسه بحسب “أرقام”.
إلا أنه وبالاعتماد على هذه التقنية فسيقطع مجال “أبحاث السوق” سنيناً ضوئية لتصل وكالات البحث إلى نتائج أقرب إلى الواقع، ويتخلصون من مواجهة المستخدم أو العميل بالأسئلة، بل وسيكسبون وقتاً كذلك في أداء عملهم. قراءة ردود الأفعال من الوجه ستكون أفضل أجوبة على استبيانات بحوث السوق والنتائج ستخرج في التوّ؛ وبالتأكيد فالشركات التي ستدفع لوكالات البحث التي تعتمد على ترميز الوجه ستكون ثاني أكبر مستفيد من وراء التقنية.
“Realeyes” وهي إحدى الشركات التقنية التي تعمل حالياً على تطوير خوارزميات تتبع مشاعر الناس وفهم ردود أفعالهم على محتوى ما، عن طريق كاميرا ويب تقيس الانفعالات الستة الأساسية (السعادة، الحزن، الضجر…) وتقيس درجة انتباه الشخص، بالإضافة إلى معدل ضربات القلب، يقول المدير التنفيذي للشركة إن العقود التالية في هذه التقنية ستدور حول فهم ردود أفعال الناس كذلك فيما يُعرَض لهم على شاشة التلفاز، وهم في الوقت الحالي يحاولون العمل على فهم أفضل محتوى فيديو على الإنترنت يمكن تقديمه لجمهور معين، بالاستعانة بقراءة الوجوه.
أيضاً “Millward Brown” الذراع البحثية لواحدة من أكبر شركات العلاقات العامة والتسويق في العالم “WPP” بدأت العمل على تقنية قراءة المشاعر في الوجوه بالتحديد منذ 4 سنوات، ومؤخراً استحوذت وكالة “Dentsu Aegis” اللندنية للإعلانات على مجموعة فوربس الاستشارية “Forbes Consulting Group” الأمريكية والمميزة بأبحاثها في فهم السلوك البشري من الناحية العصبية NeuroScience.
كذلك، شركة affectivea التي بدأتها الباحثة المصرية “رنا القليوبي” في هذا التخصص، هي الأخرى قد أجرت اختبارات “ترميز الوجه” على نطاق واسع في 75 بلدا مما أسهم في تكوين مستودع مما يسمونه (بيانات المشاعر) والتي من شأنها تزويد برمجيات ترميز الوجه بردود أفعال مختلفة من الناس بحسب اختلاف أعمارهم وأجناسهم، وذلك سيحسن من دقة تحليل تلك البرمجيات للمشاعر وردود الأفعال.
أما الذراع الأخرى للتسويق والذي يلي أبحاث السوق، وهو “الإعلان والترويج”؛ فتقنية قراءة الوجوه ستعمل على تطوير الإعلانات والخروج بزخم كبير من الإبداع ، نتوقّع –كما يتوقع الباحثون ومن هم في المجال الإعلاني- أنها ستكون مستخدمة بقوة في الإبداع لترويج المنتجات والخدمات، الكثير من الشركات التي تهتم بالبحث والتطوير ومن بينها “P&G” و “فيليبس” بدأت من الآن تستثمر وتوظف طاقات بحثية للاستفادة من تلك التقنية في الترويج لمنتجاتها في المستقبل.
حيث سيكون بإمكان شركات الدعاية والإعلان أن تقيس تأثير الإعلان على مشاعر الناس قبل عرضه على الجمهور، سيكون بإمكانهم معرفة ما إذا كان هذا المشهد من الإعلان مضحكاً وهذا مُبكياً، ومن ثَمّ تعديل الإعلان بناء على تلك القياسات الوجدانية -المتعلقة بالمشاعر- والتي تكون متشابهة إلى حد كبير مع جمهور عريض من الناس أو فئة معينة لها اهتمامات أو صفات مشتركة كجنس معين أو فئة عمرية معينة.
قياس المشاعر على أي محتوى قبل خروجه للعموم يؤثر بشكل كبير على نجاح الحملات الإعلانية، من حالة عدم قياس ردود الأفعال، فماذا لو كانت النتائج أقرب إلى الحقيقة وصدق التعبير؟ فمن المتوقع لاستخدام تقنية “ترميز الوجه” في صناعة الإعلانات أنها ستساعد العاملين في المجال على إنشاء رسائل إعلانية إبداعية بسيطة تقوم باستدعاء العقل اللاواعي مع العقل الواعي في آن واحد للحصول على أقصى درجة من تفاعل المشاهد مع المحتوى -أياً كان نوعه-.
على ما يبدو أن هذه التقنية ستعرف عنّا أمورا مخيفة، بالإضافة إلى ما ستجنيه من وراء تعبيرات وجوهنا التي يتم تصويرها في المولات والأسواق التجارية الكبرى وممرات الشوارع التجارية المعروفة، وربما محطات القطار ومترو الأنفاق. فماذا ستكسب أنت من وراء ردود أفعالك؟.







