مرح البقاعي- الحياة.. بعيداً من الجدل السياسي والإعلامي الذي أثاره التوقيع التاريخي بين إيران ودول 5+1 على الاتفاق النووي يبقى السؤال الملحّ: ما مصلحة الولايات المتحدة الحقيقية من دفعها باتجاه تتويج المفاوضات التي دامت 21 شهراً، واتسمت بالكثير من الأخذ والردّ والتدهور والتوتر والتكتّم في أحسن الأحوال، باتفاق أممي أعلنت عنه مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، وإلى جانبها وزير خارجية إيران، جواد ظريف، بعد 24 ساعة فقط من انتهاء المدّة المحدّدة لإبرام الاتفاق؟
ليس طموح الرئيس باراك أوباما، وهو أول رئيس أسود يصل إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة، أن يسجّل التاريخ اسمه كصانع سلام من الدرجة المتفرّدة عبر هذا الاتفاق أو من خلال سياسات انفتاح ديبلوماسي على العالم الخصم كان أهمّها إعادة العلاقات الديبلوماسية مع كوبا، وهي علاقات مبتورة منذ نيف وخمسة عقود، ليس هذا الطموح الشخصي الذي يتعلّق مباشرة بالإرث الذي يرغب في تركه وراءه لعائلته ولأبناء جلدته أيضاً على الإطلاق بمنأىً عن جملة الظروف والمتعلّقات التي أثّرت في شكل غير مباشر في الخلوص إلى ما شهده العالم في 14-7-2015 من حدث هو مفصل تاريخي في العلاقات بين دولة إيران «المارقة» كما كانت تسمّيها حكومة جورج بوش ودول العالم الصناعية الكبرى.
أما عن الإستراتيجيات والمصالح الأميركية الوطنية العليا، فالعقد النووي الجديد بين إيران والدول الست الكبرى سيعلن نهاية الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة وإيران والتي ترتّب عليها تعطيل الحراك الديبلوماسي على غير محور خلال 34 عاماً من هذه الحرب غير المعلنة، والتي استجرت الولايات المتحدة إليها حلفاءها.
ويرى صانعو القرار الأميركي في البيت الأبيض والخارجية من فريق أوباما الضالع في توضيب هذا الاتفاق أن المصالح القومية الأميركية هي في موقع المقدّمة أبداً، وأن أميركا لا يمكن أن تكون محامياً عن الدول العربية ولا عن اسرائيل ولا عن حلفائها الذين يعارضون هذا الاتفاق طالما هو يحقّق شروطاً وضعتها ستحفظ أمنها وأمن العالم في المستقبل، بعد أن تمّ سحب السمّ من المخلب النووي الإيراني وفق البنود المبرمة. فمصالح أميركا في المنطقة دخلت في عنق زجاجة ضيق خلال فترة الحرب الباردة تلك، وجاء اتفاق فيينا ليفرج عنها.
لقد قال أوباما في خطابه الذي ألقاه من البيت الأبيض فور التوقيع على الاتفاق ما مفاده بأن الاتفاق أكّد صحّة ونجاعة الديبلوماسية الأميركية وقدرتها على فتح آفاق جديدة وإحداث تغييرات حقيقية ومهمّة يمكن أن تجعل أميركا والعالم أكثر أمناً، مستشهداً بكلمات الرئيس الأسبق جون كينيدي: «علينا ألا نتفاوض أبداً بدافع الخوف، ولكن علينا ألا نخاف من التفاوض».
وفي الوقت نفسه سارع إلى طمأنة الحليف الإستراتيجي إسرائيل قائلاً: «إنه ودولته لن يتخليا عن دعمها وحفظ أمنها أبداً». وكان أوباما قد قام بحملة استباقية لترويج الاتفاق لدى حلفائه العرب في دول مجلس التعاون الخليجي خلال القمة التي عُقدت في كامب ديفيد فطمأنهم بأن الاتفاق سينهي مشروع إيران التسلّحي النووي ويبقي على الشق المدني السلمي له، ما يرفع أي تهديد قد تتعرّض له دول المنطقة من إيران مستقبلاً ويغيّر سلوكها تجاه جيرانها في شكل منظور.
يعتقد صانعو القرار الأميركي بحزم أن لإيران نفوذاً ويداً طولى في ملفات شائكة ومعقّدة في المنطقة كما الحال في سورية والعراق واليمن وأفغانستان، كذلك في ملفيّ مكافحة الإرهاب والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وأن الطريق إلى الأمن القومي الأميركي يمرّ بإبقاء الحوار مفتوحاً مع إيران لتذليل العقد في هذه الملفات الشائكة بعد أن لم تفرز القطيعة التي مورست عليها إلا المزيد من التوتر والانفلات الأمني وتهديد المصالح والأمن الأميركيين بصورة مقلقة للشعب الأميركي والعالم. وحدها الضغوط الاقتصادية التي أُخضعت لها إيران على مدى عقود من قبل أميركا وحلفائها أفلحت بجرّها إلى طاولة المفاوضات وجعلها تقدّم تنازلات من أجل التوقيع على اتفاق فيينا النهائي.
لم ينس أوباما خلال خطابه بُعيد التوقيع أن يحذّر مجلس النواب الأميركي ذا الغالبية الجمهورية من مغبّة عدم التصويت بالإيجاب، وهدّد باستعمال حقّه في الفيتو إذا حدث وصوّت أعضاء الكونغرس ضده. وهو يرى أن هذا الاتفاق سيعبّد الطريق للرؤساء الأميركيين الذين سيصلون إلى البيت الأبيض في العقدين المقبلين من أجل علاقات متوازنة وسويّة تحترم الحقوق والواجبات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والعالم من جهة أخرى.
ثم كان يوم 14 تموز (يوليو) 2015 حين شهد العالم بدهشة كبيرة إعادة افتتاح السفارة الأميركية في هافانا، والسفارة النظيرة في طهران، تلك التي أغلقت أبوابها إثر واقعة 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 واتخاذ الديبلوماسيين الأميركيين رهائن لمدة 444 يوماً بيد الحرس الثوري الإيراني، الواقعة التي أسّست لدراما العداء للشيطان الأكبر (سابقاً) بالتزامن مع اضطرام الثورة الخمينيّة آنذاك.






