عبد السلام اليمني: دموع فتى في الهايد بارك

عبد السلام اليمني-الحياة.. كان ضوء النهار مغموراً بغيوم صيفية تلتحم لتُكوّن طقساً ربيعياً، وتتفرّق لتُشرق شمس صيفية ترسم ابتسامات الفرح على قارة أصبح فرحُ سكانها بالشمس يتقاطع مع سعادة الجزيرة العربية وسكانها بالغيوم والمطر.

الأسئلة تطارد الفتى منذ حلّ مع أسرته إلى القارة الأوروبية لأول مرة، وكان برنامج الرحلة المُتقن من الأبوين لزيارة أبرز المعالم في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ساهم في الإجابة على الكثير من الأسئلة التي أشغلت بال الفتى عن الحضارة الأوروبية.‏

في مدينة لندن شعر الفتى بغزارة فضوله، مع إتقانه الشديد للغة الإنجليزية، كان نهماً في قراءة الصحف البريطانية اليومية، ولم تفارق وجهه ملامح العجب وهو يتمعن في جدية المسؤولين والأمة للنقد والإصلاح والدراسات العميقة الجادة لمواجهة التحديات؛ وكان يُطلق الزفرات عندما يلوح له الأفق بمقارنة هذه الأجواء الجادة، بحالات الفوضى والتراخي التي أُصيبت بها أمته العربية.

انتظر يوم الأحد على أحر من الجمر، وتوجه مع والديه وإخوته إلى حديقة الهايد بارك الشهيرة. دون أن يشعر ترك الجميع وأخذ يتجول بخطى سريعة على زوايا الخطب والمشاهد المُثيرة، خصوصاً وأنه يزورها لأول مرة.

جهاز الآيباد لا يفارق الفتى، يسجل في مُدونته ما يعجبه وما لا يناسب ذائقته، مرّ بإفريقي يتحدث بصوت مرتفع لم يفهم منه شيئاً لعدم معرفة الفتى باللغة الفرنسية. تنقل من زاوية لزاوية خطابية أخرى، ولم يلحظ وجود أجهزة أمنية تُطوق المكان؛ وفي هذه الأثناء تسلل إلى مسمعه صوت يتحدّث بلغة الضّاد، أسرع للمكان وشاهد رجلاً وقوراً يقف على كرسي خشبي ويتكئ على جذع شجرة عجوز ربما أصابتها شظايا دمار لندن في الحرب العالمية الثانية.

بدأ الرّجل العربي الوقور خطبته بالبسملة، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبي الهدى والرحمة، ثم قال: جئت إلى لندن قبل أشهر قليلة، أول مرّة أخرج من وطني، حتى الحج والعمرة لم أستطع أداءهما لعجزي وقلة حيلتي؛ اختلط الحابل بالنابل في وطني بعد ثورات الربيع العربي، لم أخرج في مظاهرة، أكره النظر إلى الأسلحة فكيف بحملها، مشغول طوال يومي بتأمين لقمة عيش لي ولعائلتي، نسكن في غرفتين على السطوح ملاصقتين لأعشاش طيور.

الفتى يستمع باهتمام ويُدوّن، ولاحظ ازدياد أعداد الناس الذين يستمعون لحديث الرجل الوقور.

بدأت قصة الابتلاء عندما حضر رجل إلى المخبز الشعبي الذي أعمل فيه، حدّق نظراته الحادة في وجهي المُكتظ بشعر لحيتي، وبقعة قاتمة في جبهتي من أثر السجود للخالق جلّ في عُلاه.

تكررت زيارات الرجل المُريب للمخبز، وفي يوم من الأيام فوجئت بأنه يتبعني في طريق عودتي ماشياً إلى زوجتي وأبنائي الثلاثة. سألني عن اسمي وأين ولدت؛ وتبسم عندما قلت له إنني أحمل شهادة جامعية، وقال: أعرف هذا وتخصصك شريعة. قلت له وما هو المطلوب مني وماذا تريد؟

قال (الذي تأكدت فيما بعد أنه رجل أمن دولة): أريد أن أعرف انتماءك السياسي؟

قلتُ له أنا لا أكره أحداً، وجميع المسلمين أعتبرهم إخواناً لي فى العقيدة.

قال: هل أعتبر أنك إخواني أو تتعاطف معهم، ولمن صوّت وستُصوت في الانتخابات المقبلة؟

قلت له: أنا لست حزبياً ولا فئوياً ولا طائفياً، أنا خباز بشهادة جامعية.

ولكن المعلومات التي لدينا تقول إنك وزّعت خبزاً مجانياً على أهل الحي بعد ظهور نتائج الانتخابات الماضية؟

نعم وزّعت الخبز مجاناً في ذلك اليوم، وكانت المناسبة تميمة وطهور المولود الجديد الذي رزقني الله إياه، وأنا لا أملك غير الخبز، والمصادفة أنه كان يوم ظهور نتائج الانتخابات. قال رجل أمن الدولة: وهل من المصادفة أن تُسميه محمد؟

قلت له: خير الأسماء. قال لي: أقول لك بكل صراحة أنت مُتّهم بأنشطتك الخيرية الإخوانية، وفي هذا خيانة للوطن!

يقول الرجل الوقور – كما دوّن الفتى – ارتعش جسمي من وخزات الخوف وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله، توزيع الخبز في مناسبة سعيدة خيانة للوطن؟!

وصلت على الفور مركبة سوداء، وتم القبض عليّ، وأكل رجال أمن يُحِيطُون بي خبزاً كُنتُ أحمله لزوجتي وعيالي.

بكيت كثيراً عندما حلقوا لحيتي في عاصفة الاستجواب، وهنا تناثرت دموع الفتى دون أن يشعر.

رحلت من وطني الذي أبكاني ومزّق حياة أسرتي الضعيفة؛ وأعمل الآن في مخبز بجانب ابن أختي في لندن، كنت في وطني أمشي بجانب الحيط أُحِب كل الناس، لا أرفع شعاراً فئوياً ولا حزبياً ولا طائفياً، والحيط لم يحمِ سلاماً عميقاً بداخلي!

أيها الأحباب؛ إن منهج الفرز المبني على ثورة الشك، سيُمزّق الأمة إلى أشلاء ويُنذر بشر مستطير… وقد حدث. إننا نتطاول على قدرة الخالق جلّ في عُلاه الذي هو وحده يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

إنني أعجب من هذا البلد الذي نعيش فيه غرباء وسعداء؛ غرباء لأننا نشتاق لتراب الوطن شوق الوليد لأحضان أمه، وسعداء لأننا نشعر ونستشعر القانون والعدالة للجميع. هنا أنا في حماية قانون، وهناك في وطني لم أشعر بالأمان وأنا أمشي (بجانب الحيط)!

قفز رجل يحمل بين يديه كتاباً لنعوم تشوميسكي، وسأل الرجل الوقور عن رأيه في ظاهرة داعش؟

أجابه الرجل الوقور، والفتى منهمك في الاستماع والتدوين، داعش حالة وظاهرة خطيرة جداً على الأمة والدين الإسلامي؛ ومصيبتنا العربية أننا لا ننهمك ونتعمّق في مواجهة الأسئلة الصعبة، حياتنا مأسورة لانتظار فعل ورد فعل، داعش برزت على أرض دولة فاشلة مزَّقتها خلافات ومشاحنات وحروب طائفية، ثم نأتي ونطلق الصيحات، من أين أتت وكيف ظهرت، من يدعمهم ومن يؤازرهم، ثم نستكين لواقع نظرية المؤامرة؟!

ثم توجه الرجل الوقور بطرح سؤال على السائل؛ ليتك أخي الكريم تسأل الفيلسوف نعوم تشوميسكي، الذي تحمل كتابه بين يديك؛ ما بال أبناء جلدتي عندما حلقوا لحيتي، وقطّعوا أوصال أسرتي، وصادروا مخبزي، ومزّقوا علاقتي بتراب وطني؟

أطرق السؤال قلب الموجّه إليه، وغامت عيناه وتجاهل الإجابة عن السؤال… وذهب كُل إلى غايته ماعدا الفتى.

جاء إلى أوروبا سائحاً، وعاد لوطنه مُحمَّلاً بأسئلة من فولاذ، ومسامير؛ وكان آخر سطر كتبه في مُدونته سؤالاً يحمل بصيص أمل منشود؛ متى سيتحوّل الكدر والقلق المُضطرب إلى لغة جمال سماوية ترتفع فيها الأصوات والمقاطع التي تتجلى على كراسي أمجاد نقترب منها، تُطفئ كرة نار مُلتهبة يراها الناس قوة بطش يزداد حجمها يوماً بعد يوم.

زر الذهاب إلى الأعلى