عبد العزيز التويجري: التهافت على الكعكة الإيرانية

عبد العزيز التويجري- الحياة.. مباشرة، وقبل أن يجف حبر الاتفاق الإيراني مع مجموعة 5+1، بدأت وفود المسؤولين الغربيين مرفقين بممثلي كبريات الشركات في بلدانهم، تتوافد على طهران لبحث سبل الفوز بعقود وصفقات تجارية متنوعة.

وكان أول الوافدين وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابرييل، الذي وصل إلى طهران ومعه رئيس غرفة التجارة والصناعة أريك شفايتسر، وعدد من رجال الأعمال الألمان، كما وصل إلى طهران في اليوم نفسه، نائب وزير التنمية الاقتصادية الإيطالي أدولفو أورسو، على رأس وفد حكومي. وزار طهران بعد هذين الوفدين وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي وجه دعوة باسم الرئيس هولاند إلى الرئيس روحاني لزيارة فرنسا، يضاف إلى هذا استعداد شركات نفطية كبرى للعودة إلى إيران، وهي شركة شلمبرغر الأميركية البريطانية، وشركة شل البريطانية الهولندية، وشركة أني الإيطالية، وشركة توتال الفرنسية، وشركتا لوك أويل وغازبروم الروسيتان، وعدد آخر من الشركات السويسرية والألمانية والفرنسية.

هذا التهافت الغربي على العاصمة الإيرانية ليس الهدفُ منه الشوق إلى بلاد فارس وتراثها الحضاري، ولكنه التسابق على الفوز بنصيب من الأموال الإيرانية الضخمة المجمدة التي سيفرج عنها تدريجياً بموجب اتفاق فيينا، وهو الفرص الاستثمارية التي ستعرض على هذه الدول وعلى الشركات الغربية. وهو تسابقٌ محمومٌ يؤكد حقيقة لم يسلط عليها الضوء في شكل كبير، وهي أنّ هذا الاتفاق أساساً تمَّ من خلال مقايضات سياسية وتجارية بين الأطراف الموقّعة عليه، وأنّ الإدارة الأميركية، صاحبة اليد العليا في تحقيق هذا الاتفاق، استخدمت أسلوب الإغراء الاقتصادي مع حلفائها الغربيين حتى تشجّعهم على تسريع إنجازه، فتداخلت المصالح السياسية والاقتصادية في تجاوز التحفظات التي كانت لدى بعض الشركاء الغربيين، وتمَّ للإدارة الأميركية ما أرادت، فحسبت أن ما توصلت إليه مجموعة (5+1) وإيران نصر لها يدخلها التاريخ. وستثبت الأيام أن هذا محض أوهام وليس من الحقائق الثابتة.

وبهذا يتبين لنا أن الغلبة في نهاية المطاف قد أصبحت للمصالح الاقتصادية التي طوّعت الاختيارات السياسية، وأحدثت تحوّلاً في التحالفات في المنطقة، وأغمضت العيون عن التجاوزات والانتهاكات للقرارات الدولية والتدخلات التي ترتكبها إيران وأتباعها من الأنظمة والميليشيات الطائفية في المنطقة وإثارتها للصراعات وزعزعة الاستقرار فيها. ومهما حاولت الإدارة الأميركية تطمين حلفائها التاريخيين بوعودها العرقوبية وتصريحاتها الملتوية الحمالة الأوجه، فإن الواقع الذي يشاهده العالم كله، يؤكد أنها إدارة لا يمكن الوثوق بها وبما تقول، بل إنَّ كثيراً من السياسيين والكتاب الأميركيين عبّر عن انتقاده الشديد لسياسة الرئيس أوباما في الشرق الأوسط بعامة، وللاتفاق مع إيران بخاصة، حيث إن الرابح الأكبر من هذا الاتفاق هو إيران.

فقد تمكنت من تحقيق مكاسب مهمة، على رأسها الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للاستخدام السلمي والمحافظة على ما تحقق لها من خبرة نووية، والإفراج عن أموالها المجمدة في أميركا والتي تبلغ أكثر من 150 بليون دولار.

فهل سيكون هذا التهافت المتسارع على التهام الكعكة الإيرانية وابتلاعها على مراحل، على حساب الأمن القومي للعرب، ومن دون اعتبار لأية معايير دولية تراعي حفظ الأمن والسلم في هذا الإقليم من العالم؟ وهل ستكون إيران في عهدها الجديد (وهو جديد بكل المقاييس) شرطي المنطقة تحمي مصالح القوى العظمى، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية وخرق سافر لميثاق الأمم المتحدة؟

أخطر ما نخشاه، والحالة كما نرى، هو أن نصبح نحن العرب، ضحايا هذا التهافت الشره الذي لا يحده مانع، والذي لا يراعي أصحابه إلا مصالحهم الاقتصادية، وإن كان ذلك على حساب مصالح الدول العربية وأمنها واستقرارها.

وفي ظل هذا الواقع الجديد بكل تحدياته وأخطاره، لا سبيل أمام دول الخليج العربي، وهي الأكثر تضرراً من هذه الصفقة الانتهازية والقسمة المجحفة، إلا العمل سريعاً على تقوية تحالفها العربي وتوسيع دائرته، ليشمل تركيا وباكستان وماليزيا، والتخلي بصفة نهائية عن السياسات الضيقة والمماحكات العقيمة التي كانت سبباً رئيسياً في تأخر بناء قوة خليجية ضاربة تواجه غطرسة النظام الإيراني وسياساته الطائفية التوسعية. كما يجب وقف التشنج المَرضيّ تجاه الحركات الإسلامية السنية المعتدلة التي ووجهت بنفور ومضايقات من قبل بعض الأنظمة، مما أتاح لإيران وعملائها في المنطقة كسبَ مواقع كثيرة في عدد من الدول العربية، تعزز بها حضورها وتقوي نفوذها. كما أتاح المجال للتنظيمات المتطرفة أن تضلل عدداً كبيراً من شباب المسلمين، وتوظفهم في أعمالها الإرهابية.

إن الحكمة السياسية والمصلحة القومية تفرضان على الدول العربية المعنية مباشرة، وضع استراتيجية بناء وردع: بناء للقدرات الاقتصادية والعسكرية والعلمية والتكنولوجية، وردع لأي تطاول أو عدوان يهددان الحدود والوجود، ويعرضان أمن المنطقة وسيادة دولها للخطر الذي بات محدقاً بها وواقعياً وليس متوهماً.

إن دول الخليج العربي تواجه منذ اليوم تحدياتٍ حقيقية ليس من طرف إيران فحسب، بل من طرف القوى العظمى التي خذلتها ونسيت أو تناست عقوداً من الوفاق والتفاهم والتعاون الاستراتيجي في مجالات الأمن والتجارة وبناء السلام. وهو الأمر الذي يقتضي نقلة نوعية في السياسة الإقليمية التي تنهجها الدول العربية تجاه المخاطر التي تهددها، حتى تمتلك شروط التعامل الذكي الفاعل والمنتج مع المتغيرات على الأرض، وحتى تحمي مصالحها الحيوية، وتبني قدراتها الذاتية، وتحافظ على استقلالها وسلامة كيانها.

زر الذهاب إلى الأعلى