احتفل العالم يوم الخميس 6 أغسطس 2015 بالذكرى 70 للقصف النووي الذي دمر مدينة هيروشيما اليابانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 250،000 شخص. ولكن هل ينبغي الاحتفال بهذا السلاح؟
كان يوم 6 أغسطس 1945 بحق يوما حاسما في تاريخ البشرية، ففي ذلك اليوم، قرر الرئيس ترومان الذي خلف روزفلت على رأس الولايات المتحدة استخدام القنبلة الذرية ضد العدو الياباني.
و قد صممت هذه القنبلة في أقصى درجات السرية كجزء من مشروع مانهاتن، لتنفجر لأول مرة في 16 يوليو 1945 في اختبار في صحراء نيو مكسيكو، لكن الولايات المتحدة قررت إدماجها فورا في ساحة المعركة.
وتم نقل نسخة ثانية من القنبلة التي أطلق عليها اسم “الولد الصغير” على متن قارب إلى جزر ماريان على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، ومن ثم نقلت على ماتن طائرة B-29 أطلق عليها “إينولا جاي”، لتسقط خلال الساعات القليلة في وقت لاحق فوق مدينة هيروشيما.
وفي تلك اللحظة قتل أكثر من 75000 ياباني معظمهم من المدنيين، جراء انفجار بقوة حوالي 15،000 طن من مادة تي إن تي، كما قدر اليابانيون أن أكثر من 250.000 شخص سيموتون في الأسابيع أو الأشهر أو حتى السنوات القادمة.
وبعد ثلاثة أيام، ألقيت القنبلة الثانية التي أطلق عليها اسم “الرجل البدين” “Fat Man”، وهذه المرة على ناجازاكي، مما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا قدر ب 70،000 و بالتالي استسلام اليابان، الذي سيتم الإعلان عنه في 15 أغسطس 1945 من قبل الإمبراطور هيروهيتو نفسه.
و قد اعتبر استخدام القنبلة الذرية جريمة حرب وفقا لخصومها، لكن هذه القنبلة ساعدت على إنهاء الحرب العالمية الثانية، و استسلام اليابان وإنقاذ حياة عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وَوفقا لدراسة حديثة قامت بها بيو للأبحاث، لازال 56٪ من الأمريكيين يعتقدون اليوم أن استخدام القنبلة كان ضروريا.
هذا التفجير المزدوج دفع على أي حال الإنسانية إلى عهد جديد، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة بدأت الحرب الباردة بين الحليفين السابقين الروسي والأمريكي، وفي عام 1949، فجر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة انشطارية و سرعان ما تبعتها المملكة المتحدة (1952)، فرنسا (1960) ثم الصين (1962)، بينما من جانبها انتقلت أمريكا في عام 1952 إلى التكنولوجيا الجديدة مع أول قنبلة هيدروجينية (الانصهار)، مائة مرة أقوى من القنبلة الانشطارية.
لكن الرقم القياسي لأقوى قنبلة نووية في التاريخ يعود إلى الاتحاد السوفياتي الذي أطلق قنبلة القيصر عام 1961، وهي قنبلة هيدروجينية ذات قوة هائلة من 57 ميغاطن، أو 3000 مرة أكثر قوة من القنبلة التي ألقيت على هيروشيما.
ففي صباح يوم 30 تشرين الأول / أكتوبر عام 1961 حلقت القاصفة السوفيتية توبولوف Tu-95V حاملة معها قنبلة القيصر ورافقتها طائرة أخرى من نوع Tu-16 وذلك من أجل مراقبة وتصوير عملية التفجير، وقد طليت كلتا الطائرتين بطلاء أبيض خاص لحمايتهما من الحرارة والإشعاعات المتولدة من الانفجار، وفي الساعة 11:30 تم إلقاء قنبلة القيصر من على ارتفاع 10500 متر فوق منطقة الاختبار وهي جزيرة (Novaya Zemlya) في المحيط المتجمد الشمالي، وما أن انطلقت القنبلة حتى فتحت المظلة الموصولة إليها والتي رافقتها لمدة 188 ثانية حتى وصولها إلى ارتفاع 4000 متر عن سطح الأرض، وهي النقطة التي تقرر تفجير القنبلة فيها، وفي هذه الأثناء كانت الطائرتين المنفذتين لعملية الإلقاء تنطلقان بأقصى سرعة للابتعاد قدر الإمكان عن مكان الانفجار.
نتائج هذه التجربة المخيفة صعقت العالم كله حيث وصل الإرتفاع الأقصى للسحابة الناتجة عن الانفجار 64 كلم وبلغ عرضها 40 كلم وكان قطر كرة النار الناتجة عن الانفجار 7 كلم وطافت الموجات الناتجة عن الانفجار حول الكرة الأرضية بأكملها 3 مرات! وذاب ثلث سطح الأرض تحت منطقة الانفجار، ولو كانت هذه القنبلة قد انفجرت في قلب باريس، لكانت دمرت منطقة باريس بأكملها وقتلت بضربة واحدة نحو 10 ملايين شخص.
وعلى الرغم من تلاشي الخوف من نهاية العالم النووي و الذي كان حاضر بشكل قوي في سنوات ما بعد الحرب، كما أن توازن الرعب بين القوى النووية قد حال دون شك دون اندلاع حرب عالمية ثالثة، إلا أنه يبقى تهديدا حقيقيا.
في عام 2012، يعتقد المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم أن العالم يضم أكثر من 19.000 رأس نووي منها أكثر من 4400 جاهزة للتشغيل، وبالإضافة إلى قوى تاريخية مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، تمكنت دول أخرى مثل الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية من امتلاك قنابل نووية خاصة بها، مسببة بذلك خطر الانتشار النووي، الذي نددت به دول ذات ترسانات كبيرة.
و قد جاءت كارثة فوكوشيما مؤخرا، لتذكر العالم بأن اليابان هي أيضا قوة نووية على الرغم من أن هذه التكنولوجيا تستغل حتى الآن لأغراض مدنية فقط، ومع ذلك، فإن الانفجارات في هيروشيما وناغازاكي تركت تأثيرا عميقا لدى اليابانيين حيث أن أعمال سينمائية مثل غدزيلا (1954) و أكيرا (1988)،و كذا ثقافة البوب اليابانية اليوم لا تزال تعكس صدمة جيل كامل.
وبعد 70 عاما من قصف هيروشيما، الوقت ليس للإحتفال أو التهوين من هذه التكنولوجيا، ولكن ببساطة لتذكر الضحايا و التذكير في الآن نفسه بأن الإنسانية لا تزال لديها اليوم القدرة التي قد تدمرها.









