طارق الشناوي: مرثية لأحلام الثورة في مهرجان دبي

طارق الشناوي- الشرق الأوسط… من المؤكد أنها صدفة، لكنها تستحق التأمل حتى نقرأ تفاصيلها وظلالها. أتحدث عن جوائز مهرجان «دبي» السينمائي، والتي أعلنت مساء الأربعاء الماضي، حيث حملت عنوانا خاصا ليس فقط بالسينما المصرية ولكن بثورة «اللوتس» (25 يناير).

المخرج محمود سليمان حصل على جائزتين، الأولى أحسن فيلم عن شريطه التسجيلي الطويل «أبدا لم نكن أطفالا»، بالإضافة إلى جائزة أفضل مخرج.. أما الفيلم الروائي «نوارة» للمخرجة هالة خليل فقد حظي بجائزة مستحقة وهي أفضل ممثلة لمنة شلبي.

الذي يجمع بين الفيلمين أنهما يتناولان الثورة بآمالها وانكسارها. الفيلم التسجيلي توقف مع ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران) 2013، والروائي فقط 25 يناير، في تلك اللحظة التي توهجت فيها أحلام البسطاء من الناس. لم يستطع الفيلم التسجيلي – الذي يرصد الواقع من دون رتوش – أن ينتصر لهم، ولم يجرؤ الخيال على أن يحيل الهزيمة إلى انتصار.

الواقع عصي على التجميل. المخرج سليمان تناول في فيلمه التسجيلي عائلة مصرية، تتكون من أم مكافحة تحمل على كتفيها آلة لسن السكاكين – لا تزال تُستخدم في الأحياء الشعبية – حيث تلتقط هذه السيدة قوت يومها لتنفق على أسرة صارت في عُنقها بعد أن تنصل الأب من التزامه ماديا وشرعيا. لم تكن في الحقيقة الحصيلة من الأبناء جيدة، نعم لا يمكن أن نوجه لهم لوما فهم لم يعيشوا أبدا سنوات الطفولة، هم ضحايا ومجني عليهم وليسوا أبدا مذنبين، الجاني من حرمهم حقهم في الحياة. الأم أيضًا لم تعش طفولتها بعد أن أجبروها وهي في الرابعة عشرة من عمرها على الزواج.

هل كان يلوح شيء في الأفق سوى الضياع؟ ما الذي قدمته الثورتان للإنسان المصري البسيط؟ الفيلم لا يدين الثورة، لكنه يوجه سهام الغضب لسارقي فرحة البسطاء، فهو لا يقف أبدا على الجانب الأخر من شعارها «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».. لم يغادر الشريط السينمائي شاطئ الثورة بيد أنه يتحسر على حالها.

بينما جاء الفيلم الروائي «نوارة» محملا بعبق الثورة. إنه تأريخ للأيام الأولى لها، لكنه ليس بالمناسبة توثيقا، حيث أضافت عين المخرجة هالة خليل مشاعرها ورؤيتها، وكأنها تُقدم اعتذارا بالصوت والصورة، لما سبقها في عدد ليس بالقليل من الأفلام الروائية التي تناولت ثورة 25 يناير دراميا.

لم تتجاوز تلك الأفلام أن تقرأها كمجرد موقف ساخر، يحيل شعار الثورة إلى نكتة، بينما «نوارة» قدم عنها قراءة جادة.. الفتاة الفقيرة الجميلة الشريفة على الرغم مما تعيشه من قنوط، فهي لا تملك شيئا من حطام الدنيا سوى جدة عجوز تقترب من نهاية عمرها، أملها الوحيد أن تملك مالا لشراء كفنها، ورجل تحبه ويحبها، عُقد قرانهما قبل عدة سنوات، لكنه بات بسبب عدم العثور على شقة زواجا مع إيقاف التنفيذ. المخرجة وضعت شعار الثورة في كل التفاصيل، وأعادت للذاكرة أحلام البسطاء الذين صدّر لهم الإعلام أن هناك أموالا مهربة باسم رئيس الجمهورية الأسبق تصل لعدة مليارات وبمجرد استردادها سيحصل كل منهم على 200 ألف جنيه بعد أن تمت قسمة المبلغ على عدد السكان.

بينما على الجانب الآخر طبقة رجال الأعمال والحاشية القريبة من دائرة الرئيس المخلوع كان لديهم يقين بأن الأمر سينتهي لصالحهم في غضون أيام، وأنها هوجة ستتبدد لتعود الدنيا مرة أخرى طيعة بين أصابعهم. يُقدم فيلم «نوارة» الحقيقة المُرة والأمل المذبوح، والذي مع الأسف لا يزال ينزف.

إنها مرثية للثورة أقرأها مرة بعين تسجيلية ومرة بعين روائية، لا تدين الثورة بقدر ما توجه شحنات الغضب والاستهجان لمن أحالوا حُلمها إلى كابوس، ونقاءها إلى أوحال!

زر الذهاب إلى الأعلى