عبد الله بشارة- القبس.. أكتب من لندن، عاصمة التجارة والإثارة والإنارة، التي يعشقها الخليجيون، لأنها تواجدت في بطن تاريخهم منذ نهاية القرن الثامن عشر، كانت حكومة التاج البريطانية – الهندية تدير الخليج الذي نال اهتماماً خاصاً بريطانياً كمعبر بحري إلى الهند التي كانت أفضل قطع الألماس في التاج البريطاني.
أتى الإنجليز إلى مياه الخليج للحد من القرصنة التي كانت صناعة متميزة لتأمين المعيشة، ومن هذا المنبع الخشن تشكّلت قاعدة العلاقات بين أهل الخليج وبريطانيا.
جاء الخليجيون إلى لندن طلاباً وسياحاً وتجاراً ومرضى متسلحين بتراث تاريخي في الترابط مع أبناء الشعب البريطاني الذين سجّلوا حضوراً أمنياً وسياسياً وتجارياً وثقافياً.
ومن تلك الحقائق، صار أهل الخليج مشدودين إلى لندن بشعور الأليف المعتاد، لا سيما في الظروف الحاضرة، حيث تتواجد بريطانيا عسكرياً كشريك بارز في أمن الخليج.
يأتي الخليجي الآن إلى لندن، مستنداً إلى خمس حقائق:
أولاً – الألفة التاريخية، ففي كل مكان يسير الخليجي بثقة المطمئن، عارفاً أن لندن عاصمة القانون والانضباط، يتحرك بلا قيود، ويصل إلى ما يريد من دون حظر، فليست عليه مآخذ، ولا مدونات بوليسية تتعقبه، ولهذا يتنقل داخل أكبر الأسواق من دون مضايقات، بصحبة الأطفال وسيدات عرفن خطوط المواصلات وخريطة المولات، وعناوين التنزيلات، في تجمعات البيع، وأرقام هواتف التاكسيات والطوارئ، مع لقاءات يتم ترتيبها في قاعات الفنادق أو مقاهي الهايدبارك، فيلتقي هذا الخليجي مع ناس باعدتهم الحياة في الوطن فجمعت لندن شملهم.
ثانياً – منذ الثمانينات، زاد حجم التجارة بين الخليج وبريطانيا، واستوطنت الماركات الإنجليزية في أسواق الخليج، وصار التسوق سهلاً، فالخليجيات يعرفن موقع كل ماركة في صناعة الموضة وأسعارها، رأيتهن في ممرات هارودز، مركز التسوق المشهور الذي تملكه قطر الآن، يتنقلن بارتياح، من قسم إلى آخر، بأكياس مملوءة تحملها أحياناً الفلبينيات وهن يتحاورن مع أطفال في حراسة المربيات، ويمكن لنا تحديد هوية السيدات من الشنط التي على أذرعهن، لأن الشنطة تنطق بقدرتهن على الشراء.
ثالثاً – تحويلات سياح الخليج تصل إلى بنوك لندن قبل مجيء العائلة، فهم عارفون أن أسعار لندن مرتفعة وأدخلوا في حساباتهم قوائم الأطباء وإيجار السكن والفندق، ومتطلبات كل يوم، فلا يقترب الخليجيون من منافع لندن الاجتماعية ولا ينتظرون إسهاماً من جمعيات خيرية أو من بطاقات الائتمان المعيشي، فهم سياح من الطبقة العالية مثل مشترواتهم، ولهم ترحيب خاص، فلا مشاكل ولا مخالفات، وكل في طريقه، ولا يحتاج أحد منهم إلى معونة لندن الاجتماعية.
رابعاً – حالات قليلة نراها خارج المألوف، كنت أتابع سلوك عائلة من زوجين وأربعة أطفال في مطعم هادئ قرب شارع أكسفورد، ويخرج صوت الأطفال في طلبات متعارضة والجرسون متأفف من الصوت المرتفع، ويلتفت رواد المطعم نحو تلك العائلة على أمل الهدوء، هنا تبرز مشكلة رب الأسرة عندما يتجادل الأطفال حول الطلبات، ويفقد الجرسون صبره.
خامساً – نادراً ما يزور الخليجيون المتاحف أو المسارح أو القصور التاريخية، ونادراً ما يخرجون من لندن، بعضهم يذهب إلى السينما، وقلة منهم يتجول في المكتبات، وأغلبيتهم في الحدائق والمطاعم ومحال الشراء.
هذه اللوحة الواقعية تتكرر طوال الإجازات، ويعود الخليجيون إلى الوطن بصحبة شنط معبأة بتشكيلات من العطايا والهدايا…
هل ستؤثر موجة التقتير في ارتياد لندن، حسب ما آراه الآن، لا أتصور..






