يوسف الديني: مأزق حزب الله في الخليج

يوسف الديني- الشرق الأوسط.. تحول حضور الإسلام السياسي الشيعي في المستنقع السوري من مجرد التحالف والنصرة مع نظام الأسد إلى حرب وجودية تمس الذات، هذا ما تؤكده التقارير المتعددة حول حجم خسائر حزب الله البشرية والسياسية، إلى الحد الذي أصبح مجرد رفع شعار المقاومة، أو الحديث عن «القضية الفلسطينية»، من قبل الأمين العام للحزب يبعث على السخرية، بعد أن كان يحظى بتأثيراته خارج الأقواس الطائفية قبل سنوات مضت.

ولذا، فالتغيير في القيمة السياسية تغيرت، فأصبح محاصرًا بأهداف ملالي طهران أكثر من اعتباره كتلة سياسية عربية داخل لبنان، بعد أن ساهم في تعطيل الحياة السياسية في البلد وصولاً إلى استهداف المصارف، عدا انتهاكاته السياسية عبر التدخل في شؤون دول الجوار، وآخرها تصريحات الأمين العابرة للحدود تجاه مملكة البحرين التي اتخذت إجراءات داخلية لحماية أمنها القومي الذي تعتبره منذ هزّة الربيع العربي مسألة أولوية تتقدم على كل الملفات السياسية الأخرى.

أيادي حزب الله كادت تمتد إلى أمن الخليج، لولا السياسية الاستباقية بقيادة السعودية بإعادة تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية. وكان آخر ثمرات هذه اليقظة الأمنية الإجراءات السيادية التي قامت بها مملكة البحرين قبل أيام، حيث قضت المحكمة الكبرى الجنائية بعدة أحكام بالسجن على 45 متهمًا، وإسقاط الجنسية عن 8 منهم بعد إدانتهم في قضايا إرهابية متصلة بأهداف خارجية، أو ما عرف بإنشاء «حزب الله البحريني»، وهو ما سبب ارتباكًا كبيرًا للحزب اضطر معه إلى إخراج مكنوناته العدائية تجاه الخليج، بالحديث الجائر عن البحرين، وجرّ اسم المملكة في محاولة إلى تلويث المناخ السياسي، ومحاولة الظهور بمنطق «الضحية»، في حين أن هذه المظلومية السياسية سقطت بالكامل حتى لدى الشيعة العرب المعتدلين، بعد أن تورط الحزب في دماء الشعب السوري.

والمتهمون على ذمة التحقيق يواجهون قضية تدخل سيادي، عبر إنشاء وإدارة جماعة إرهابية تنتمي لحزب الله، تضم عشرة متهمين بإنشاء «حزب الله البحرين»، تأسيسًا وتمويلاً، وحيازة أسلحة نارية ومواجهة رجال الشرطة وإثارة الشغب، ومن الطبيعي أن يكون غضب حزب الله (الجماعة الأم) جزءًا من ردة الفعل تجاه فشل مشروع استنساخه في البحرين، والغريب أن يتذرع الأمين العام بنقد سياسة البحرين الاستباقية بأنها اعتداء على حقوق الإنسان والحريّات، وأنها تمثل استبدادية النظام السياسي هناك، ولا أعلم كيف يفكر الحزب وأمينه في ردة فعل المجتمعات تجاه هذا التصريح في حين أن مقاتلي حزب الله يدفعون دماءهم في الاستماتة للحفاظ على نظام بشار الأسد، صاحب الأرقام القياسية تاريخيًا فيما يتصل بحقوق الإنسان وتقتيل الشعب السوري وتهجيره بشكل لم يسبق له نظير في التاريخ الحديث.

فقدان حزب الله لقيادييه في سوريا أفقده رشده السياسي، فبات يجترح مناطق حرب كلامية ضد دول الخليج التي تحاول تحصين أمنها الداخلي وفضيلة الاستقرار التي حافظت عليها بعد رياح الربيع العربي، ومقتل مصطفى بدر الدين كان ضربة كبيرة للحزب لا تقل تأثيرا عن الاستراتيجية الخليجية تجاهه التي ساهمت في تضييق الخناق عليه، تمويلاً وبروبجندا. كما استطاعت دول الخليج استخلاص موقف إيجابي من جامعة الدول ومنظمة التعاون الإسلامي تجاه انتهاكات حزب الله، في محاولة جادة لاسترجاع هيبة وحدود واستقلالية الدول في مواجهة ميليشيات الموت والخراب ونظام طهران الذي ما زال الغرب رغم ليونته بسبب الملف النووي والنفط يعتبره أكبر راع للإرهاب.

الأكيد أن جزءا من أزمة حزب الله أنه ضد منطق السياسة، فمهما أفضى تردي الأوضاع في المنطقة إلى صعود منطق الميليشيا الشيعية في مقابل «داعش»، فإن ذلك لن يبرر بحال شرعنة وجوده السياسي في ظل نشاطاته الإرهابية. ومن هنا يمكن القول إن تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير كان واضحًا في التفريق بين نشاطات الحزب، وبين تموقعه في الخريطة السياسية اللبنانية. وقد أكد مسؤول أمريكي في التقرير أن «التصدي لأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار ولدعمها للإرهاب، كان عنصرًا أساسيًا في حوارنا الموسع مع دول مجلس التعاون الخليجي، في أعقاب قمة قادة هذه الدول في كامب ديفيد، كما وسّعنا أيضًا التعاون مع شركائنا في أوروبا وأميركا الجنوبية وغرب إفريقيا لبلورة وتنفيذ استراتيجيات للتصدي لأنشطة الجماعات المتحالفة مع إيران التي ترعاها الجمهورية الإسلامية، مثل حزب الله».

والحال أن حزب الله لا يستطيع الانسحاب من المستنقع السوري قبل التوصل إلى حل نهائي يلائم سياسة نظام طهران، وفي الوقت ذاته حل كهذا لا يمكن أن تنفرد به إيران أو روسيا دون توافق دولي وصيغة توافقية تقبل بها كل الأطراف الداخلية في سوريا، من المعارضة المعتدلة وحتى الدول التي تقف وراء الشعب السوري.

واحدة من مآزق حزب الله الكثيرة الآن مسؤوليته عن موجة جديدة من الطائفية في المنطقة تجاوزت الصراع الديني المذهبي إلى تحويل الطائفية إلى «هوية بديلة» يمكن أن يتم تحشيد مقدرات الشعوب، وهذا خطر كبير ستواجهه المكونات الدينية غير المسيسة التي يجب أن تدرك جيدًا دوافع الصراع وأسبابه السياسية، برافعة طائفية متوهمة ليست حقيقية، كما أن تصدعات البيت السني بسبب نبتة «داعش» المحسوبة عليه، وفي ذات الوقت أكثر المجتمعات تضررًا من وجود إرهاب «داعش» هي مناطق سنية، وعلى رأسها استهداف «داعش» لدول الخليج، بل والعالم بأسره عبر إرسال «الموت» العابر للقارات والخلايا الصغيرة، ثم الذئاب المنفردة.

موجة الطائفية وتديين الصراع، واعتبار أن ما يحدث هو حرب سنية شيعية، هي المحرّك الأول لمسرح العبث في المنطقة، وسكوت المثقفين والمحللين على ذلك انحناء للموجة وخوفا من غضب الجماهير العارم جريمة أخلاقية لا تغتفر، بل وانجراف إلى ما يريده نظام الأسد وما نجح في تمريره، وهو يعلم أن الأغلبية من قوام جيشه الذي يحارب من أجله بعثي ممسوخ الهويّة الدينية لصالح الآيديولوجيا البعثية، وإن كانوا اجتماعيا محسوبين على السنة، كما أن الصوت الإيراني للتشيع السياسي، عبر ذراع حزب الله والحوثيين، لا يشمل رؤية كل الطائفة الشيعية في المنطقة، ولا يمكن تفسير الصمت تجاه الجرائم التي تحدث إلا بفوبيا الخروج من منطق الطائفة، الذي يماثله التبرير لجرائم «القاعدة» بدعوى أنها الوحيدة التي تقف الآن لنصرة السوريين.

هناك بحر من الدم الطائفي الآن يسيل، وحري بنا ألا ننجر وراء دعوات الغرق فيه، فالحرب – كما يقول ثوماس مارن – الطريقة الوحيدة الجبانة للهروب من عبء السلام والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى