يوسف الديني: أمن الخليج وتحولات المنطقة

يوسف الديني- الشرق الأوسط.. سيل عارم من التحولات السياسية تعيشه المنطقة، وكان آخره التحول التركي صوب الشرق وتحديدًا تجاه أبواب الكرملين وبوتين الشخصية العنيدة التي يعلم إردوغان حدود التفاوض معها، وإن كان في الأرجح يريد بعث رسالة حانقة على الغرب والولايات المتحدة عطفًا على الموقف من الانقلاب الأخير، والتلكؤ في تسليم «غولن»، لكن هذه الزيارة خارج أقواس الرسائل السياسية تعد انقلابًا ناعمًا فيما يخص السياسة الخارجية التركية وتحديدًا موقفها من الأزمة السورية، وهو ما سيستغله بوتين في الدفع بتركيا نحو تحالف جديد كانت بوادره التصريح الكارثي لوزير الخارجية التركي بأن أي حل في سوريا يستدعي بالضرورة «بقاء الأسد»، وهو ما يطرح السؤال حول ما إذا كان التصريح تكنيكًا استباقيًا من لدن تركيا تجاه علاقات استراتيجية جديدة مع روسيا رغم أن هذا التصريح يعني ببساطة تعثر التحالف التركي مع حلف الناتو، وتضييق الخناق على المرور الآمن لكوادر «داعش» والجماعات المتطرفة، وهو ما شهدنا ردة الفعل من قبل التنظيم باستهداف حفل الزفاف الذي خلف عشرات الضحايا.

وبإزاء تحولات الدول وتحالفاتها؛ فإن الأكثر خطورة هو ما نراه من صعود سياسي لمنطق الميليشيا في اليمن ولبنان، ومحاولة الرئيس المخلوع لعب دور الأسد في الاستقواء بروسيا بعد التصريحات المتهورة حول فتح الموانئ وإمكانية إنشاء قواعد عسكرية لروسيا في اليمن، وهو ما يعني دخول المنطقة في أتون التدخلات السيادية وعبر محاولة إنقاذ الذات وإحراق كل شيء في سبيل ذلك، وهو أمر كان متوقعًا من شخصية متلونة سياسيا ومقامرة بمستقبل بلد يعيش على حافة الانهيار.

بفضل نظام الأسد وصالح باتت الميليشيات واقعًا سياسيًا في المنطقة وشريكًا في لعب أدوار «الدولة». بعد أن كانت على هامش المعارضة المسلحة والمرفوضة مجتمعيًا باتت الآن أداة سياسية يتم الضغط بها على استقرار الدول والتلويح بنذر الحرب كلما فشلت المفاوضات عن إيجاد صيغة توافقية بين الأطراف السياسية.

الوقوع في أحضان الميليشيا بما يعنيه من صعود منطق الفوضى والإكراه السياسي الذي تمارسه على المواطنين (حملات واسعة يقوم بها الحوثي وأتباعه في صنعاء لتجنيد الأطفال والمراهقين) دون أي تدخل من قبل المؤسسات الدولية وحقوق الإنسان في حين أن هذه المؤسسات تمارس ضغوطاتها لإنهاء الحرب، لكنها لا تذهب بعيدًا في تقصي أسباب بقاء مسببات الحرب وأهمها تلكؤ الميليشيات عن الحل وفرضها منطق القوة على مؤسسات الدولة واعتباره أمرًا واقعًا.

المنطقة اليوم تعيش حالة فراغ سياسي كبير، وتتحمل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الجزء الأكبر من المسؤولية؛ نظرًا لما تملكه من قدرة على التأثير وحشد قرار سياسي دولي، كما أن اللعب بمكيالين فيما يخص مسألة الإرهاب والعنف سيعجل بازدهار ربيع الميليشيات مجددًا بعد أن باتت هذه القوى المسلحة أدوات التأثير وتغيير المعادلة السياسية في ظل هشاشة الأنظمة السياسية في البلدان التي تدعمها كما هو الحال مع لبنان حزب الله وأنصار الله الذين يهيمنون على جزء كبير من مقدرات الدولة المكدسة في العاصمة منذ عامين.

التخلص من تنظيم داعش في مناطق التوتر في العراق وسوريا لا يعني نهاية التنظيم الذي يضع قواعده مجددًا في ليبيا، ويحاول التمدد في جنوب اليمن وسحب البساط من تنظيم القاعدة الملاحق بالطائرات دون طيّار الأمريكية، فتنظيم داعش كما تبين استراتيجية العسكرية بوضوح يعمل جيدًا على خلق حروب استنزاف صغيرة في مواقع متعددة، بحيث يضمن وجوده وبقاءه ضمن حالة الفراغ السياسي وضعف مؤسسات الدولة لا سيما بعد انهيارها في أكثر من موقع إثر فشل الربيع العربي، وبالتالي تبقى حالة العنف المدورة على طريقة لعبة الكراسي بين تنظيمات وميليشيات العنف المسلح.

تحاول دول الخليج جاهدة بقيادة السعودية انتشال الحالة اليمنية لتصبح استثناء من ربيع الميليشيات في المنطقة، وتسعى إلى قطع الطريق على إيران في تمددها الذي لو تحقق في اليمن سينتقل بسهولة إلى الجزء الآخر من العالم وتحديدًا استغلال الموانئ اليمنية وصولاً إلى قارة أفريقيا التي تنشط فيها بشكل طائفي مدروس يمزج ما بين تمرير الآيديولوجيا بالاستثمارات التجارية وتدفق رؤوس الأموال.

الحفاظ على مكون الدولة مهمة صعبة وتحتاج إلى تفهم ودعم دولي، وفي الوقت نفسه بحاجة إلى فهم المكونات السياسية لا سيما المعارضة التي تعيش حالة توهان في قراءتها للواقع، كما أنها لا تعي أنها الضحية الأولى في حال انهيار الدولة وسقوطها في قبضة الميليشيات المسلحة.

ما تحتاج إليه دول الخليج اليوم هو تحويل أمنها المرتبط بتطوير القطاعات الأمنية والتدريب للوصول إلى «استراتيجيات الأمن المستدام» في فترة تمر المنطقة فيها بأحلك الظروف، وهو تحد صعب وقاس في ظل الأحوال الاقتصادية وتراجع أسعار النفط، لكن حرص دول الخليج بمجتمعاتها على التمسك بـ«الاستقرار السياسي» يقودها إلى اجتراح الحلول والتماسك فيما يخص مواقفها تجاه قضايا المنطقة حتى مع تبدل التحالفات السياسية لدول الإقليم التي تعيش حالة من التدمير الهائل لمنطق الدولة واستبدال منطق الميليشيا به في ظل صمت مطبق للقوى الدولية لمفاتيح الحل، وأهمها رحيل نظام الأسد الدموي، وتوقف المجازر المروعة تجاه شعبه، وإنقاذ مستقبل اليمن من احتلال الميليشيات له بمباركة النظام السابق، وهما أمران لا يمكن التفكير في استقرار المنطقة من دونهما.

الخليج اليوم في لحظة حاسمة كما لم يكن من قبل، وعليه أن يسعى بخطى ثابتة نحو الإصلاح الاقتصادي والإداري الذي ابتدأه منذ تبدل أسعار النفط، لكنه يواجه عبر دوله وكياناته المجتمعية تحديات كبيرة في عالم مضطرب يعيش لحظة مفصلية من تاريخه ومنطقة تتشكّل من جديد بكل ما تعنيه الكلمة على أنقاض جمهوريات وجماهيريات اضمحلت لأنها فقدت مسببات البقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى