ألمانيا| رعاية روحية خاصة للسجناء المسلمين

نظمت الحكومة الألمانية مؤتمراً حول عمل المرشدين الروحيين المسلمين في ألمانيا.

وتحدثت صحيفة دويتش فيليه مع أحد العاملين في رعاية سجناء مسلمين عن طبيعة عمله في السجون ودوره في التواصل مع المحكوم عليهم لأسباب ارتبطت بمواقف متطرفة.

سيد جيمشت، تفرض عليك طبيعة عملك كمرشد روحي في السجون التعامل كثيراً مع سجناء مسلمين تورطوا في مواقف التطرف. من هم هؤلاء السجناء؟

مصطفى جيمشت: هناك طيف واسع وتنوع كبير بهذا الخصوص؛ فكل قصة تختلف عن قصص غيره. فمن بينهم مدمنون على المخدرات أو طلاب. رغبت هذه الفئة في الاقتراب من الإسلام بشكل أكبر ولكنهم وقعوا في أياد خاطئة. البعض الآخر كانت لديه مشاكل عائلية. فأحدهم فقد عائلته وبدأ بالبحث عن علاقات أخرى، وقاده هذا الأمر إلى السكن مع متطرفين. وأحد السجناء تحدث عن تعرضه للتمييز وانتهى به المطاف – في رحلة بحثه – بالسقوط في براثن المتطرفين. وهناك سجين آخر دفع به أصدقاؤه إلى الضلال وقادوه إلى التطرف. يمكننا القول، بشكل عام، إنه عندما لا يجد الباحث عن معنى الحياة أجوبة معتدلة ومسؤولة لتساؤلاته، فقد يقع بسهولة في براثن التطرف.

ما هي الجرائم المسجلة على السجناء الذين تعاملت معهم؟ هل هي أعمال إرهابية أم إجرامية عادية؟

هنا أيضا يوجد تباين كبير، فالبعض ارتكب جرائم مرتبطة بالمخدرات، في حين أراد آخرون الانضمام لـ”الدولة الإسلامية” أو التحقوا بها فعلا، وبعضهم عاد من مناطق النزاعات والحروب في الشرق الأوسط.

بخصوص السجناء، الذين أرادوا الانضمام أو انضموا لـ”الدولة الإسلامية”، حول ماذا يتم النقاش معهم؟

نناقش الكثير من المسائل، مثلا بشكل جوهري، لماذا التوجه لأعمال العنف، عوض الممارسة الدينية المسالمة، وكيف يجب أن يرد المرء على مشاعر الظلم، حيث لا يتعين الرد على الظلم بالظلم. وقد تقود مثل هذه المسائل إلى نقاشات دينية عميقة. وقد يتوجب علي أحياناً أن أقوم ببحث مرجعي لأتمكن من تقديم إجابات مناسبة. كما تتم إثارة نقاشات أخرى عن المعاني الحقيقية لبعض الآيات القرآنية ولماذا تبدو أحيانا بعض الآيات بمعنى واضح، ثم تتضح فيها معان آخرى غير التي قد يكون المرء قد فهمها للوهلة الأولى.

النقاشات تتناول إذن مسألة تفسير القرآن؟

بالضبط، إنها مسألة معقدة. ويقودنا النقاش إلى التقاليد المختلفة للتفسير والتأويل. وهنا أشير إلى أن الإسلام وخلال وجوده على مدار خمسة عشر قرناً طوّر أساليب مختلفة جداً في الشرح والتفسير، وبالتالي من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تفاسير مختلفة لبعض الآيات القرآنية. وأشير أحيانا إلى أنه قد تكون هناك عدة شروحات للآية الواحدة وقد تكون إحدى الشروحات مناسبة بشكل أكبر من غيرها. في مثل تلك الحالات يكون النقاش عبارة عن درس ديني.

هل يفسح لك السجناء المجال لقول ما تريد قوله؟

يتطلب الأمر درجة معينة من الحذر وينبغي من حيث المبدأ الوصول للأشخاص المناسبين. فإذا دخلت في مواجهة مباشرة وأقول للسجناء إن ما يقولونه يعبر عن تطرف، فلن يعود ذلك بفائدة كبيرة. الحوار ينشأ عندما أقبل في البداية وجهة نظر محاوري. ثم اسأله كيف وصل إلى وجهة نظره تلك، وفي النهاية أواجهه بحججي. غير أن هذا لا يعني أني استطعت إقناعه. يتطلب الوصول إلى تلك المرحلة نقاشات كثيرة ولفترة زمنية طويلة.

هل يقتنع محاورك بحججك؟

نعم، يقتنع قسم من السجناء بذلك. فهؤلاء يبحثون عن شرح ديني وبالنسبة لهم فالدين ليس مغامرات وأفعال استعراضية. تلك الفئة تنشغل بأسئلة إيمانية، مثلا، كيف يجب أن أعيش كي أنال رضا الله؟ وغيرها من الأسئلة المرتبطة بالإيمان. وهنا يأتي دوري. فعندما أكون صادقاً وأظهر للطرف الآخر تقواي وآخذه على محمل الجد وأشاركه فيما يعتريه من قلق، عندها فقط يأخذني محاوري على محمل الجد فننطلق في النقاش. ثم يأخذنا النقاش بعد ذلك للحديث عن الأمر الذي يجعل الإيمان حقيقة يعيشها جميع البشر وليس فرد واحد فقط، مثلي أو مثله.

إنها مسألة جد معقدة؟

صحيح! عندما يعتبر محاوري، على سبيل المثال، أنه يتعين عليه العمل كي يصبح كل البشر مسلمين، عندها يكون من حقه ان يأمل في ذلك. ولكن عندما يعتقد أنه من المسموح به القيام بالعنف من أجل الوصول لذلك، عندها يبدأ النقاش. فأشير إلى أن المرء يمكنه الوصول لقلوب الآخرين بوسائل سلمية – وليس عن طريق العنف. ينبغي على المرء أن يأمل في أن يلتقط الآخرون تلك الأفكار ويتقبلونها، وأن تصل قلوبهم عن طريق الصدق والخير فقط.

ما الذي يتوجب فعله لدعم عمل الأئمة في السجون الألمانية؟

يتعين توظيف مرشدين روحيين بشكل أقوى، لأنه لا يوجد حتى الآن إلا عدد قليل منهم. ثم يلزم التعامل مع أولئك كمرشدين روحيين. يثار النقاش بشكل مستمر حول ما إذا كان أولئك مرشدين روحيين أم مجرد عاملين في قطاع الرعاية. غالباً ما يكون وضع المرشدين الروحيين المسلمين غير ثابت ومتزعزع، مقارنة بغيرهم. السجناء أيضا يلاحظون هذا الأمر، بطبيعة الحال.

وعندما يكون السجين إسلاموياً، يستغل هذه النقطة ويعرضها كدليل إضافي للتأكيد على التمييز الحاصل ضد المسلمين. لابد من نزع فتيل ذلك الجدل من خلال قبول المرشدين الروحيين المسلمين، كما هو الحال بالنسبة للمرشدين الروحيين من باقي الديانات والمعتقدات.

وهناك أمر آخر مهم أيضاً: لا بد من تأهيل عاملين آخرين في قطاع الرعاية بشكل مهني فيما يتعلق بقضايا الإسلام والمسلمين واستغلال فرص قيام مسلمين بتأهيل عاملين في الرعاية – وليس غير المسلمين فقط، كما هو الحال الآن في أغلب الأحيان. لابد من رفع مستوى مهنية تأهيل المرشدين الروحيين – وعندها فقط يمكننا السيطرة على التطرف.

 

زر الذهاب إلى الأعلى