قصة مخرج عالمي يقدم سينما النوم واليقظة والواقع الافتراضي

ينصح المخرج التايلاندي أبيتشاتبونغ ويراستاكول، الحائز على جائزة السعفة الذهبية، بالنوم في دور السينما، ويؤمن بالإمكانات الإبداعية للواقع الافتراضي.

من الغريب أن تلقى شخصا لم تصادفه من قبل وإذ به يشاركك نفس أحلامك. هكذا كان الوضع وأنا أجلس أمام المخرج أبيتشاتبونغ في إحدى الأمسيات بفندق بالدوحة. كنا نحضر فعاليات “القمرة”، ذلك الحدث السينمائي الذي يستمر أسبوعا والذي يعقد سنويا في العاصمة القطرية، والذي يحضره أبيتشاتبونغ مع أعلام السينما هذا العام 2018.

ومن السهل أن يشعر المرء بأنه في غير مكانه هنا، فعلى بعد بضعة أميال تجري أعمال بناء الملاعب التي ستستضيف كأس العالم لكرة القدم، وفي الخارج يجري تلميع أرضية السوق الجديدة والتي ليست بحاجة لتلميع.

كل شيء يبدو جديدا وخاويا، إلا هذه الغرفة التي تجمعني بهذا الكم من الصور والأفكار: هنا أرى قرود البابون تتكلم، والجنود ينامون، وأرى أشباحا وآلهة، وأطباء يتعاطون المخدر من داخل أطراف صناعية، وأبناء موتى وقد أصبحوا كائنات شيطانية ذات فراء وذات أعين حمراء، يشبهها المخرج بإحدى الشخصيات الخرافية لسلسلة حرب النجوم.

لم يتوقع الحاضرون إشارة أبيتشاتبونغ إلى حرب النجوم، ولا إلى فيلم “إي-تي” وفيلم “لقاءات من النوع الثالث” من إخراج ستيفن سبيلبرغ، المخرج العالمي المعروف والذي يحتفى به كثيرا في تايلاند. كذلك تحدث أبيتشاتبونغ عن إعجابه بأفلام الكوارث من السبعينيات.

ولم يصدق الحاضرون حديثه عن “نتفليكس”، فمخرج الأفلام الغريبة من قبيل “مرض حار” و”أعراض وقرن” وكذلك فيلم “العم بونمي وأطوار حياته السالفة” الحاصل على السعفة الذهبية، ليس من المنتظر أن يلتفت للأعمال الترفيهية العادية التي تعرضها خدمة نتفليكس.

مشهد أفلام أبيتشاتبونغ الكثير من أفلام أبيتشاتبونغ تعرض شخصيات نائمة أو في طريقها للنوم أو صحت لتوها – إذ يحب المخرج عرض درجات مختلفة من الوعي

فالجميع ينظر إلى هذا المخرج والكاتب السينمائي كمن يستشرف آفاقا لا نرقى إليها نحن البشر العاديون وغاية ما نرجوه أن تتفتح طاقات أذهاننا ولو لوهلة حين نشاهد أفلامه من قبيل “مدفن العظمة” بقاعة عرض تكتظ بالصحفيين – وأخشى أنا أيضا أن أنظر إلى أبيتشاتبونغ وكأنه أحد الأولياء والعارفين بأسرار لا يعرفها باقي البشر.

حينما أسأله عن فيلم “غاتاكا” من إنتاج عام 1997 وتمثيل جود لو وإيثان هوك، يجيبني مندهشا “ألا تحبينه؟!” وتبدو عليه الراحة حينما أقول له إنني أحب هذا الفيلم، الذي يصفه بأنه “شاعري جدا ويذكر بروايات راي برادبري. هناك شيء يشد الانتباه في رغبة ولد في الذهاب إلى الفضاء وأنا أشعر بهذا الحنين”، وحينما أسأله: “إذا أنت هذا الولد الذي يريد الذهاب للفضاء؟”، يجيبني: “نعم. أظن الكثيرين منا كذلك”. وفي الطبيعة، يعبر أبيتشاتبونغ عن نفسه بهدوء وتروٍ كطريقة تعبيره عن أفلامه، وينهي عادة فكرته بالإيجاب بـ”نعم” تأكيدا لكلامه، وهو قادر على القفز لفظيا بين الخاص والعام ثم الخاص مرة أخرى في جملة واحدة بلغة إنجليزية دقيقة وغير متمكنة.

يكاد يعنفني بتعبيرات وجهه قائلا: “أنا أيضا أتابع نتفليكس. إنها صنف آخر من الطعام. ولكني لا أعرف كيف أصنعه”، مشيرا إلى الأعمال التلفزيونية عموما: “لا أتصور الأمور في شكل حلقات.. ليس أكثر أو أقل بل يعتمد الأمر على ما درج المرء عليه، وبالنسبة لي السينما هي ذاك الطقس الجميل الذي أعشقه، نعم”.

وأفلام أبيتشاتبونغ صممت لهذا النوع من “الطقوس” التي باتت مهددة، ودار العرض السينمائي هي المكان المناسب لها تماما حيث يجلس المرء مغمورا بمشاهد أفلامه، ومنها مثلا مشهد الممثلة جينجيرا بونغباس ترضع جنديا من ركبتها، ويستمع إلى أصوات حشرات الغابة غير عابئ بالباقين، منهم المنتبه ومنهم من ينام، وهو ما لا يضايق مخرجنا على أي حال.

يقول المخرج التايلاندي إنه يصنع أفلامه بهدف عرضها في دور العرض، مضيفا: “أحيانا أشعر أن ما أراه على أسطوانات ‘الدي في دي’ أو أي شاشة أخرى ليس هو ما أخرجته، فأنا من الجيل القديم (عمره 47 عاما) ممن يرون أن الفيلم لا يكون إلا بمشاهدته وسط حشد”.

فيلم "مرض حار" الذي أخرجه أبيتشاتبونغ عام 2004 نال فيلم “مرض حار” الذي أخرجه أبيتشاتبونغ عام 2004 إعجاب النقاد وهو يعرض لعلاقة جمعت بين رجلين أثناء البحث عن كائن غامض في الغابة

ويضيف وقد بدا الأسى على وجهه لحظيا: “وليس المشاهدة فحسب، فحينما نصنع الأفلام نضيف للشريط ما يجعل الصورة تبدو بالهيئة التقليدية لأفلام السينما. أما الجيل الجديد فلا يهتم كثيرا بذلك والسينما عند مفترق طرق، وليس علينا سوى القبول ومحاولة تخيل ما سيكون عليه الوضع في المستقبل”.

“مطبخ آخر”

السينما تتغير فعلا، ما يمثل تحديا لأبيتشاتبونغ الذي عمل على إدخال بعض التعديلات على أفلامه دون تغيير مساره بالكامل، وربما لا يحتاج ذلك المخرج لتغيير الكثير، فحتى لو كانت أفلامه متشابهة، فهي تتفرد تماما عن الأفلام التي يخرجها غيره.

وقريبا سيبدأ أبيتشاتبونغ التصوير لأول مرة خارج تايلاند، حيث سيأخذ طاقمه إلى كولومبيا وسيكون لأول مرة بين الممثلين نجمة عالمية هي تيلدا سوينتون، وسبب الانتقال يرجع جزئيا لعدم الاستقرار السياسي في بلده، إذ يقول: “ما يجري في تايلاند جنون، وفي الولايات المتحدة وفي العالم”.

وحينما سألته عن كيفية احتفاظه بأسلوبه المميز رغم تغير الظروف منذ بدء مشواره الفني، رد قائلا: “أشبه الأمر بالطبخ مرة أخرى. لدي فريقي، لدي مصمم الصوت ومصمم المشاهد نعمل معا منذ نحو ربع قرن، وكثيرا لا نحتاج إلى الكلام بل نعرف ما نريد دون أن نتحدث. ربما لهذا سأذهب إلى كولومبيا، فأحيانا أشعر أنني اعتدت نفس المطبخ أكثر من اللازم”.

وربما يكون الفيلم الجديد خروجا عن النمط المعتاد لأفلام أبيتشاتبونغ، وربما لا يكون كذلك، خاصة أن عنوانه “ذكريات” لا يلمح إلى خروج عن دائرة اهتمامه.

فندق سينما النوم “فندق سينما النوم” يتيح سريرا وصورا وأصواتا تبعث على النوم وتكون أول ما تراه وتسمعه مع الاستيقاظ

وأفلام أبيتشاتبونغ غنية بمفاجآتها وصورها، ومع ذلك لا تعد إلا قمة جبل الجليد بالنسبة لتجربته السينمائية، التي بدأ يتطرق فيها إلى مجال “الحلم المشترك” والذي يجسده بفندق مؤقت يسمى “فندق سينما النوم” حيث تعرض الصور على شاشة عملاقة بينما يتاح للمتفرجين فرصة النوم خلال العرض.

ويعد فيلمه “حجرة الحمى” مزيجا معقدا بين الضوء المبهر والعرض المبتكر، وهو الفيلم الذي لم يعرض إلا يومين في مدينتين فقط في العالم. يشعر أبيتشاتبونغ بالرضا لكوني شاهدت هذا الفيلم الذي لا أعرف بماذا أصفه، فيجيبني ببساطة: “إنه سينما، ففي النهاية إنه ضوء”.

ويشرك الفيلم المشاهد بشكل جديد، إذ يجلس المشاهدون في وضع يتعرضون معه لضوء آلات العرض السينمائي.

يقول المخرج: “كان هذا مقصودا، نعم، فالمتفرجون جزء من العرض، وظلال أجسادهم على الشاشة هي جزء من تلك الطقوس التي تحدثنا عنها، إنها تلك الخبرة الجماعية، فهنا أنت تجلس داخل العرض، وتصير أنت نفسك جزءا من السينما ويصبح جسدك شاشة للعرض”.

أحد الكائنات الغريبة في أفلام أبيتشاتبونغ هناك جوانب فائقة للطبيعة في أفلام أبيتشاتبونغ تجسدها عادة كائنات غريبة تعكس أشياء عن الأشخاص العاديين

وتقود تجربة “حجرة الحمى” إلى مرحلة الواقع الافتراضي والذي يصفه أبيتشاتبونغ بأنه “مليء بالفرص، فالعرض ثلاثي الأبعاد كان امتدادا لتكنولوجيا أقدم، أما الواقع الافتراضي فهو أوسع بمراحل، إنه الحرية، ففي الواقع الافتراضي تتحرر من الإطار لتشاهد من الداخل”.

والغريب هو قدرة أبيتشاتبونغ على رصد نقطة التحول تلك في تاريخ السينما حتى وإن مثلت تهديدا لنموذج العرض التقليدي الذي يعمل في إطاره، وأثارت ارتياب او امتعاض المخرجين الآخرين الذين يصفونها بأنها “متفائلة أكثر من اللازم”.

والواقع هو أن ما ظننته متناقضا، ما بين “الطقس” النمطي للسينما الذي يعشقه أبيتشاتبونغ والحداثة الرقمية للواقع الافتراضي الذي يثير إعجابه؛ وما بين أفلام الخيال العلمي الكلاسيكية التي يحبها، والأفلام التجريبية الفنية البطيئة التي يخرجها، ليس إلا خدعة بصرية غايتها نفس الشيء الذي يرمي إليه أبيتشاتبونغ، وهو تواصل العقول وتناقل الأفكار، إذ ليس ثمة أطر متحجرة تحصر السينما في قالب واحد.

ويرى أبيتشاتبونغ مستقبلا بعيدا لا نحتاج فيه إلى كاميرات من أي نوع، بل “يكون بمقدورنا أن نتشارك أحلامنا عبر توصيل أدمغتنا معا بنوع من النوم الجماعي الحقيقي”. ولحين تحقيق ذلك الحلم، سيبقى يخرج لنا أفلاما تتخطى الواقع، بل وتضرب عرض الحائط بالمألوف، لتعرض قصصا غريبة بين ظلمات صالات العرض.

زر الذهاب إلى الأعلى