المعضلة الحسابية التي قد تتوقف عليها حياتنا العصرية

ليس من السهل التنبؤ باحتياجات البشر ولا الوقت الذي تظهر فيه هذه الاحتياجات. فالبشر لديهم الكثير من المتطلبات والاحتياجات، ويتوقعون أن يجد العالم حلولا سريعة للمشاكل المعقدة والمتعددة التي نواجهها في عصرنا الحالي.

وطور باحثون على مدى العقود القليلة الماضية، حلولا رياضية فعالة للتخصيص الأمثل للموارد في عدة مجالات، وذلك في محاولة لمواكبة المتطلبات اليومية التي تعتمد عليها حياتنا. لكن المشكلة أن عمليات تخصيص الموارد للزبائن في الوقت الفعلي تخضع لمتغيرات خارجية عديدة. وهذا يضعنا أمام معضلة حسابية تتطلب حلولا تضع في الحسبان التغيرات المتلاحقة التي تطرأ من وقت لآخر، والتي يصعب التنبؤ بها.

وتعرف هذه التحديات بشكل عام باسم “مشكلات إعادة تخصيص الموارد لتلبية المتطلبات المتغيرة”، وقد تظهر هذه المشكلة عندما تكون الموارد التي يُراد توزيعها على الناس وقتما يطلبونها محدودة.

ويقول وارين باويل، مهندس بجامعة برينستون، ويبحث في هذه المشكلة منذ الثمانينيات من القرن الماضي، إن مشكلة إعادة تخصيص الموارد لإشباع احتياجات متغيرة لها انعكاسات لا حصر لها قد تطال مختلف نواحي الحياة اليومية، مثل حجز سيارات الأجرة أو توصيل الطرود إلى المنازل.

عندما تعجز الموارد عن تلبية المتطلبات المتغيرة، تظهر مشكلة إعادة تخصيص الموارد بشكل أو بآخر 
عندما تعجز الموارد عن تلبية المتطلبات المتغيرة، تظهر مشكلة إعادة تخصيص الموارد بشكل أو بآخر

ويرى باحثون أن التخصيص الأمثل للموارد في البيئات المتغيرة لن يسهم في تلبية احتياجات الناس وقت ظهورها فحسب، بل قد يساعدنا في معالجة بعض التحديات الأكثر تجذرا وتعقيدا في العالم، بما في ذلك تغير المناخ، لأنه سيساعدنا في رفع كفاءة تخصيص موارد الأرض الشحيحة والمستنزفة.

وثمة مثال بسيط قد يساعدنا في فهم طبيعة مشكلة تخصيص الموارد في البيئات المتغيرة وسبب صعوبة حلها. تخيل أنك أعددت لحما مشويا لعائلتك المكونة من أربعة أفراد، وقبيل وضع الطعام على المائدة، أعلنت ابنتك أنها نباتية، وأرسلت شريكة حياتك رسالة نصية تقول إنها ستتأخر عن موعد العشاء، وأخبرك ابنك أنه سيدعو بعض أصدقائه على العشاء، وفي الوقت نفسه سرق الكلب الذي تربيه في منزلك قطعة كبيرة من اللحم الذي لا تعرف بعد كيف سيشبع جوع هذا العدد من الأفراد الفوضويين.

قد يكشف هذا المثال عن التحديات الرئيسية التي يواجهها الباحثون عند التعامل مع مشكلة تخصيص الموارد المحدودة، والتي يأتي على رأسها المتغيرات العديدة التي تؤثر على الطلب على المدى الطويل والقصير. فمن المستحيل مثلا التنبؤ بمتطلبات ابنتك الغذائية أو حضور ضيوف إضافيين أو تأخر شريكة حياتك.

وثمة تغيرات أخرى على المدى الطويل، إذ يتغير الطلب على الوجبات يوميا في منزلك، فقد تحتاج لإطعام فردين أو 20 فردا في كل وجبة. ولا يمكنك التنبؤ بعدد الأشخاص الذين سيحتاجون للطعام أو نوع الطعام الذي سيطلبونه ومتى سيطلبونه. ولا يمكن الاعتماد على التخمين بناء على التجارب المسبقة.

يعتبر الكثيرون توصيل الطرود إلى المنازل أمرا مفروغا منه، لكن ضمان وصول الطرود بكفاءة لا يزال يمثل مشكلة متشعبة 
يعتبر الكثيرون توصيل الطرود إلى المنازل أمرا مفروغا منه، لكن ضمان وصول الطرود بكفاءة لا يزال يمثل مشكلة متشعبة

وتقول إيكو يونيكي، كبيرة الباحثين بمجموعة الأنظمة المركزية للبيانات بمختبر الكمبيوتر بجامعة كامبريدج: “ينبغي مراعاة المدخلات والبيئات المتغيرة عند تخصيص الموارد، لأن هذه التغيرات يصعب تقديرها أو توقعها، علاوة على أن معدل الطلب الحالي لا يُمكننا بالضرورة من توقع اتجاه الطلب مستقبلا، فقد تطرأ سلسلة من التغيرات، يؤدي بعضها إلى بعض”.

وتتزايد الأمور تشابكا، كلما زاد عدد الأشخاص والوجبات التي تدخل إلى مطبخك، إذ سيصبح لزاما عليك تخصيص وجبات مختلفة لأشخاص متعددين.

وقد تواجه المستشفيات الكبرى هذه المشكلات عندما تحاول إطعام المرضى، أو تقديم العلاج لهم، لأنها ستضع في الحسبان الكثير من المتغيرات، منها أن العقاقير التي يطلبونها لها فترة صلاحية محددة، وتتغير المعدات المطلوبة للتشخيص والمعالجة باستمرار مع مجيء مرضى يعانون من أمراض مختلفة. وتحتاج المستشفيات أيضا لتخصيص الموارد المحدودة، مثل أجهزة الأشعة بالرنين المغناطيسي، والأطباء والممرضات. وقد تستعين إدارة المستشفى بنماذج رياضية لمساعدتها في مواجهة هذه المشكلات والتحكم في الإنفاق.

يتعين على العاملين بمطبخ المستشفى المزدحم التعامل مع المتطلبات المتغيرة باستمرار التي يستحيل معها التنبؤ بعدد المرضى الذين يحتاجون للطعام أو نوع الأطعمة التي يحتاجونها

والمشكلة أن الطرق الحالية تتنبأ بالمستقبل بناء على المعلومات المتاحة، ومن ثم لا يمكنها مواكبة هذه الأنظمة الضخمة ولا التعامل مع أبسط التغيرات. وسرعان ما تعجز التطبيقات الحسابية عن التعامل مع الاحتياجات المتغيرة للناس، حتى لو كان عددهم محدودا نسبيا.

وتحاول شركات الشحن أيضا أن تحقق التخصيص الأمثل للموارد لتسريع عمليات توصيل الطرود. وطورت شركة “يو بي إس” للشحن الدولي نظام “أوريون” للملاحة وتحسين كفاءة اختيار الطرق لإيصال الطرود في أسرع وقت ممكن باستخدام الخوارزميات. وتقول الشركة إن هذا النظام وفر 100 مليون ميل في السنة، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى أن النظام لا يعمل بكفاءة في شوارع المدن.

ويقول باويل، إن سلاسل الإمداد والتوريد تمثل إحدى المشكلات المستعصية الكبرى، بسبب طبيعة المنتجات المتطورة المكونة من عناصر عديدة. فإذا أردت تصنيع هاتف ذكي معتاد، على سبيل المثال، ستحتاج لتجميع مئات العناصر من حول العالم، وكلها تصب في مصنع واحد.

تحتاج شبكات الهاتف المحمول لتخصيص الموارد، مثل عرض النطاق الترددي والطاقة، وإعطاء الأولوية إما للمكالمات أو للتحميل على الجهاز

وتخضع إمدادات الطاقة أيضا للكثير من المتغيرات، إذ تعتمد على مصادر طاقة متجددة لا يمكن التنبؤ بها، مثل الرياح والطاقة الشمسية، فضلا عن أن الطلب عليها وطاقتها الإنتاجية عرضة للتقلبات.

وفي الحقيقة، تواجه جميع المجالات تحديات للتعامل مع مشكلة تخصيص الموارد في البيئات المتغيرة. ويضرب باول مثالا على ذلك بأسعار الكهرباء وإنتاج قطع الغيار في سلاسل الإمداد والتوريد وزمن الرحلات وتعطل المعدات، وسلوكيات الناس، وكلها متغيرات ينبغي التعامل معها.

ويعمل باول على توحيد جهود الفرق البحثية المختلفة التي تعمل على حل مشاكل التخصيص الأمثل للموارد وإيجاد فرص لتبادل الأفكار والمعلومات لتحقيق أفضل النتائج.

ويوفر الذكاء الاصطناعي فرصا جديدة لمعالجة مشكلات تخصيص الموارد في البيئات المتغيرة، إذ ظهرت تقنية التعلم العميق، وهي تقنية ذكاء اصطناعي تعتمد على شبكة عصبية اصطناعية، بحيث تتيح للخوارزميات التعلم من خلال التفاعل مع البيئة.

وصممت هذه الخوارزميات للتعلم بالثواب والعقاب، فيما يسمى بالتعلم المعزَّز لكي تصل إلى أعلى مستوى من الكفاءة.

تواجه أكثر الخوارزميات تطورا في الوقت الحالي صعوبة في إعادة توجيه السيارات في الطرق المزدحمة لتفادي الاختناق المروري

وتجري يونيكي وفريقها أبحاثا لتطوير نظام كمبيوتر باستخدام التعليم العميق بإمكانه حل المشكلات التي تتطلب اتخاذ القرارات، بحيث يستجيب للتغيرات التي تطرأ من وقت لآخر، وهذا النوع من المشكلات كانت تعجز أجهزة الكمبيوتر عن حله في السابق.

ويستخدم فريق من الباحثين بشركة “براولر.آي أو” للذكاء الاصطناعي في كامبريدج بالمملكة المتحدة، خوارزميات لمعالجة مشكلات تخصيص الموارد في البيئات المتغيرة، بحيث توفر هذه الخوارزميات محفزات للتشجيع على اتباع سلوكيات بعينها.

وتقول يونكي: “إن استخدام التعلم المعزز سيسهم في حل مشكلات تخصيص الموارد لتلبية الاحتياجات المتغيرة، لكنه يتطلب جمع الكثير من المعلومات، ولا يزال في طور التجربة ولا سيما في أنظمة الكمبيوتر التي يجب أن تتعامل مع الكثير من التغيرات”.

ولا يزال الطريق أمامنا طويلا لحل هذه المجموعة من المشكلات التي طرأت حديثا في ظل عجز الموارد التقنية والحاسوبية عن مواكبة عشوائية الواقع وتشابكه. وستتفاقم هذه المشكلات كلما زاد عدد السكان بالتوازي مع زيادة الطلب على خدمات إيصال الخدمات والسلع إلى المنازل وقتما نحتاجها.

وإذا لم نبدأ في مواجهة مشكلة تخصيص الموارد لإشباع الحاجات المتغيرة الآن، لن يكون من الصعب إيجاد الطعام لوجبة العشاء فحسب، بل قد يأتي يوم يصاب فيه العالم بأكمله بالشلل.

زر الذهاب إلى الأعلى