في فيلم “النمر الأبيض”.. كيف تغذي الطبقية شرور النفس البشرية؟

تصدر فيلم الجريمة والدراما ”النمر الأبيض“ الصادر في كانون الثاني/ يناير الماضي، منصة ”نيتفليكس“ بمعدل 27 مليون مشاهدة خلال شهر واحد، مقدما قصة عن تجذر الصراع الطبقي بين الأسياد والعبيد، وكيف يغذي ذلك شرور النفس البشرية.

ويجسد العمل رحلة ملحمية لشاب هندي طموح يدعى ”بالرام“، يعمل لدى عائلة من الطبقة الأرستقراطية، ليواجه قمعا ممنهجا يدفعه للاستسلام لظروف قهره، وهو المنتمي إلى طبقة دنيا في التصنيف الوهمي الجائر لتراتبية المجتمع.

ويحاول ”بالرام“ استخدام ذكائه الشديد للوصول إلى حريته على الرغم من ظروفه الخانقة وعبودية العمل، رافعا سقف أحلامه في تحقيق الثراء الفاحش واحتلال حيز في ريادة الأعمال.

في فيلم “النمر الأبيض”.. كيف تغذي الطبقية شرور النفس البشرية؟

ويركز السيناريو على فكرة انقسام العالم إلى طبقتين من البشر، فإما أن تكون مفترسا أو تتحول إلى فريسة، فلا منطقة وسطى بين الحالتين، كاشفا عن صراع طبقي متأصل بين الفئتين، لتفرز وحشية الطبقة المخملية في تعاملها مع الفقراء نتائج كارثية، تتجلى عند نفاد صبر المضطهَد، ليخرج من دائرة تعنيفة ويتحول إلى جلاد بدوره.

ويندرج خط الفيلم تحت إطار واقعي مقدما دراما لافتة وحقيقية تعكس جانبا معينا من الثقافة الجمعية، ثم يفاجئنا العمل بالخروج عن المألوف لنصل إلى حالة ”المليونير المشرد“.

وبأسلوب الخطف، يستعين المخرج بتقنية الاسترجاع، ليصور قاعة مدرسية يصف فيها المعلم أحد تلاميذه المتميزين بأنه ”نمر أبيض“، الحيوان النادر المرتبط بالذاكرة الجمعية في الهند بأن ظهوره حدث عظيم لا يتجلى إلا كل 100 عام.

ونلحظ سرعة الانتقال بين المشاهد من بيئة إلى أخرى لحظة تحول البطل إلى سائق، إذ يرتكز العمل بشكل رئيس على شخصيته ليكون عمودا تستند عليه حبكة السيناريو، مع عدم تأثير باقي الشخصيات على مجرى الأحداث بشكل كبير.

ويكشف الفيلم عن قفزة السائق الجريئة خارج المنظومة التقليدية ليُظهر عدم تقيده والتزامه بتقاليد بالية وقيود قديمة، إذ رفض البقاء في قوقعة الفقر وخلع عنه ثوب الخادم وحارب عالما مليئا بالفوضى إلى أن أصبح جزءا من الخطة السوداء ومتورطا في بؤرة فساد ورشى.

ولم يصور الفيلم شخصية بالرام على أنه فقير خيّر مضطهد يسعى إلى تحدي الصعاب والشدائد لينتقل إلى حياة الرفاهية فحسب، بل كان يعيش تناقضا جليا في شخصيته وتقلبات ملحوظة تستدعي الغرابة، فنراه يلجأ إلى طرق ملتوية وإجرامية خطيرة ليحقق مبتغاه ولو كان ثراؤه على حساب التضحية بالآخرين.

ونشهد الأسلوب الساخر للراوي المتحدث عن الحكاية بلغة خطابية، على الرغم من وضوحها ومباشرتها فقد أضافت رونقا خاصا للعمل، فلم يكن مملا أو مبتذلا مكررا.

ونجح أسلوب الراوي في سرد القصة مانحا فرصة لخيال المشاهد في السفر بعيدا لرسم تفاصيل البؤس وتصوير ملامح الأسى على وجوه الفقراء.

وتظهر علامات الصحوة على بالرام بعد حديث زوجة سيده التي تبدي تعاطفا جليا معه، فهي لا تحبذ استمراره في خدمتهم وترى له حياة أخرى تنتظره حالما يكمل دراسته ويؤسس عائلة، وتلقي عليه تجربتها العائلية المريرة وقدرتها على الخروج من قوقعة جهل وطبقية لتتحدى الظروف وتكمل تعليمها.

ويطبع البطل في ذاكرة الجمهور رسالة تكررت على أفواه نقاد كثر، لنراهم يطلقون وصفهم على فيلم ”النمر الأبيض“، بعبارة مختزلة تقول ”أنا مجرد شخص تعرض ليقظة بين مجموعة من النيام“، محاولين تسليط الضوء على فجوة التفاوت وما تتسبب به من عثرات كبيرة في وجه المضطهدين الغارقين في سباتهم وخنوعهم، إلى أن تبرز الصحوة في أفراد ذوي تصميم وإرادة لا تقهر.

ويؤكد بالرام أن إدراك جمالية العالم ولذة اللحظة كفيل بنهوضك من نوبة الخدر لتختار أن تصبح سيد نفسك الأول والوحيد.

والفيلم غني بالرموز والإسقاطات العميقة، إذ ترمز مشاهد كثيرة فيه إلى تأصل العبودية في البيئات المتخلفة ورضوخهم للذل والهوان، ويوبخ بالرام نفسه قائلا: ”ماذا يحدث؟ هل تسري العبودية في دمي؟ هل ولدت لأكون خادما وأضحي بنفسي من أجل سيدي؟ وكما نعلم دائما أولئك الذين تقف إلى جانبهم وتضحي من أجلهم، هم أول من يجلدك إن أخطأت، وأول من يضحي بك إن فشلت“.

والغريب أن أفراد الطبقات المستضعفة لا يطلقون ردة فعل على إذلالهم ولا يتخذون موقفا من انتهاك أجسادهم وأرواحهم، ليكشف الفيلم اعتياد العبيد على حياة الهامش، محشورين في قن الديوك دون أي بادرة للفكاك من القيود الوهمية.

ويقبل المستضعفون بأدنى درجات الهرم الاجتماعي والاقتصادي، ليربط المخرج طبقتهم بانتشار الأوبئة والحشرات، على الرغم من بقاء مفتاح حريتهم بين أيديهم منذ البدء.

الفيلم لسان حال شرائح واسعة في مجتمعات اعتادت العبودية رافضة امتلاك أدنى جرأة لرفع رؤوسهم إلى مبان شاهقة يقطن فيها علية القوم، ولكنها على الرغم من علوها يركز المخرج على خلوها من الروح فهي مكعبات إسمنتية جامدة تعبر بوضوح عن مساوئ العصر الاستهلاكي الراهن.

 

واعتمد المخرج أيضا على دلالات الألوان ورمزيتها، فالحقيبة الحمراء المليئة بالنقود المخصصة لرشوة أنظمة ترتدي ثوب الديمقراطية، توحي بأنها أموال وسخة مغمسة بدماء الأبرياء الحمراء.

يذكر أن الفيلم مقتبس عن رواية تحمل العنوان ذاته، للكاتب الهندي الأسترالي أرافيند أديجا، الحائز على جائزة بوكر للعام 2008، بعد أن لاقت الرواية استحسانا ورواجا لدى قراء الأدب ونقاده ووصِفت بأنها قطعة فنية فريدة واضعين جل آمالهم بإنصاف العمل المكتوب حين يتحول إلى مرئي، فجاء الفيلم مجسدا للأحداث المكتوبة بطرح مشوق، ليُرشَّح إلى جوائز الأكاديمية البريطانية للفنون السينمائية.

Exit mobile version