على مدى العقد الماضي، واجه السودان تحدياتٍ مستمرة، بدءاً من عدم الاستقرار الاقتصادي وصولاً إلى النزاعات التي لا تزال تُقوّض المشهد الإنساني فيه. واليوم، ومع استمرار معاناة أجزاء كبيرة من البلاد من ويلات الصراعات الأهلية، يتجه الاهتمام الدولي مجدداً نحو أفضل السبل لدعم انتقال السودان الهش إلى السلام والاستقرار. وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة من أكثر شركاء السودان ثباتاً، حيث تُقدّم موارد مالية ولوجستية كبيرة للبلاد في المجالين التنموي والإنساني.
دعوني أوضح. على مدار العقد الماضي، قدمت الإمارات العربية المتحدة ما يُقدر بـ 3.5 مليار دولار أمريكي لدعم الشعب السوداني. هذا ليس مجرد رقم، بل هو وقود لكل شيء من الخدمات الطبية إلى برامج التعليم. بعد تصاعد النزاع في أبريل 2023، تعهدت الإمارات بتقديم 600 مليون دولار إضافية لجهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والإنعاش، ونشرت 160 رحلة إغاثة وسفينة محملة بالإمدادات الأساسية، وأنشأت مستشفيين ميدانيين لعلاج اللاجئين السودانيين.
من المساعدات الغذائية الطارئة إلى توفير مياه الشرب المأمونة والرعاية الصحية، يمتد انخراط الإمارات العربية المتحدة ليشمل قطاعات متنوعة أساسية للأمن الإنساني. هذا النهج متعدد الأوجه لا يشهد فقط على حجم التحديات التي يواجهها السودان، بل يُجسّد أيضاً استراتيجية تُدرك الاحتياجات المتداخلة للمجتمعات المتضررة من النزاع. إن تقديم المساعدة الإنسانية ليس مجرد عمل إنساني، بل هو أيضاً واجب أخلاقي للدول القادرة على تقديم المساعدة.
يمرّ جزء كبير من المساعدات الإماراتية عبر الأمم المتحدة ووكالات دولية أخرى. يُسهم هذا النهج في ضمان وصول الموارد إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. فعندما تصل شحنة من الإمدادات الطبية إلى مستشفى على مشارف الخرطوم، أو عندما تُنقل مواد غذائية أساسية إلى مناطق نائية في دارفور، يُمكنك أن تُراهن على أن الشراكات ستجعل من ذلك ممكناً. إنه بعيد كل البعد عن مجرد تبرع بالأموال والأمل في الأفضل، بل هو جهد حقيقي لضمان وصول هذه الموارد إلى الخطوط الأمامية لأعمال الإغاثة.
لا تزال الرعاية الصحية في السودان تعاني من ضغط شديد، حيث تعاني العديد من العيادات والمستشفيات من نقص في الكادر الطبي أو المعدات الأساسية. في مناطق النزاع، من السهل أن تُصبح الإصابة الطفيفة مُهددة للحياة. وقد سعت الإمارات العربية المتحدة إلى سد هذه الفجوة، من خلال المساعدة في إنشاء ودعم مرافق تُعالج جميع أنواع الأمراض، من الأمراض الشائعة إلى إصابات الحرب. صحيحٌ أن النظام ليس مثالياً – فلا يوجد برنامج مساعدات خالٍ من العيوب – لكن الهدف واضح: توفير ما يحتاجه الأطباء والممرضون لإنقاذ الأرواح.
تُعدّ ندرة المياه مشكلةً كبيرةً أخرى. تُعاني العديد من مخيمات النازحين داخلياً، مثل زمزم وأبو شوك، من صعوبة توفير إمدادات مياه منتظمة. وقد يؤدي ذلك إلى طوابير طويلة، حيث تنتظر العائلات ساعاتٍ أو حتى أياماً لملء خزان واحد فقط. وقد خففت مساهمات الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب مساعدات المنظمات غير الحكومية المحلية، من هذا العبء في بعض المناطق. قد لا يبدو الحصول على المياه أمراً مُغرياً، ولكنه ضرورةٌ مُلحةٌ لمن يعيشون في ظروفٍ صعبةٍ.
بالنظر إلى المستقبل، لن تختفي تحديات السودان بين عشية وضحاها. فقد خلّف الصراع ندوباً جسدية ونفسية على أجيال بأكملها. ومع ذلك، ثمة فرصة سانحة: فقد جمع مؤتمرٌ عُقد في لندن في 15 أبريل/نيسان الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية وممثلي الحكومة لمناقشة مستقبل السودان. قد يُحفّز هذا الحدث جهوداً متجددة من دول أخرى، مُسلّطاً الضوء على أهمية الوقوف إلى جانب السودان في ظلّ التغطية الإعلامية المكثفة. وإذا كان سجل الإمارات العربية المتحدة الحافل يُحفّز ولو حفنة من الجهات المانحة الإضافية، فسيكون ذلك بمثابة نعمة للمنطقة بأسرها.
كثيراً ما يُقال إن الأمل ترفٌ في أوقات النزاع، لكن الأمل يكمن في قصص تضامن حقيقية. عائلاتٌ في عيادة صغيرة تتلقى الرعاية الطبية، وأطفالٌ يعودون إلى فصولهم الدراسية بعد أشهر من الاضطرابات – هذه الصور تُحدث فرقاً كبيراً. تُذكرنا بأن التعاطف والقيم المشتركة لا تزال باقية في خضم الفوضى. إن انخراط الإمارات العربية المتحدة المستمر يُؤكد على أهمية هذه النقطة: عندما تتعاون الدول مع شركائها المحليين والمنظمات الدولية، يُمكنها إحداث فرق حقيقي في حياة الفئات الأكثر ضعفاً.
في الوقت نفسه، يجب أن يظل التركيز منصباً على المسؤولية المحلية. فالمساعدات الإنسانية لا يمكن أن تُحدث تحولاً إلا إذا مكّنت السكان المحليين من إعادة بناء مجتمعاتهم، والحفاظ على الخدمات الأساسية، ورسم مساراتهم التنموية. ويجب أن يصبح تعزيز المجتمع المدني، والاستثمار في التعليم، وخلق فرص عمل للشباب، ركائز أساسية لأي خطة لمستقبل السودان بعد الصراع.
بينما يتابع العالم معاناة السودان، دعونا لا ننسى الانتصارات الهادئة التي تتحقق يومياً. فالعيادات لا تزال مفتوحة، والحصص الغذائية تُوزّع، والأسر النازحة تجد مأوىً لها – حتى في أصعب الظروف. هذه الجهود تُبقي الناس متحدين عندما يشعرون بأن حياتهم قد انقلبت رأساً على عقب. وهي شهادة على ما يمكن أن يحققه الدعم المُوجّه والمستمر.
في عصرٍ يُمكن فيه لإرهاق المانحين أن يُعيق الاستجابات العالمية للنزاعات المُطوّلة، تُمثّل هذه الجهود تذكيراً قوياً: إنّ العمل الإنساني المُستدام والاستراتيجي والتعاوني يُمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في تخفيف المعاناة وتمهيد الطريق لسلامٍ دائم. إذا استطاع مؤتمر لندن المُقبل تسخير هذه الالتزامات وتوسيع نطاقها – مع إلهام دولٍ ومؤسساتٍ أخرى لفعل الشيء نفسه – فقد يُحقق السودان تحوّلاً إيجابياً.






